ولأنَّهُ أبلغُ في حصول المقصود، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب على صوتُهُ واشتدَّ غضبُهُ كأنَّهُ مُنذِرُ جيش (١) .
فإن قُلْتَ: فقد أنكرَ - صلى الله عليه وسلم - هذا الإنكارَ؟
قُلْتُ: لعلَّ إنكارَهُ - عليه السلام - لأجلِ مُعارِضِ (٢) الجهلِ من الأعرابي، وقربِ العهد بالإِسلامِ (٣) ، والإنكارُ من هذا الوجهِ لا يُنافي الإغلاظَ عندَ عدم هذا المُعارِض، والله أعلم.
الرابعة: فيهِ أنَّ مبادرةَ الصحابة - رضي الله عنهم - أجمعين إلَى الإنكارِ بحضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مِن غيرِ مُراجعة، ليسَ من باب التَّقدم بين يدي الله ورسوله، وذلك أنَّهُ قد تقرَّرَ عندهم من الشرعِ ما أوجبَ الإنكارَ، فأمرُ الشرع متقدّمٌ، فلا يكونُ فعلُهُم تقدُّماً (٤) ، ولا شكَّ أنَّ هذه الواقعةَ الخاصَّة لمْ يتقدَّمْ فيها إذنٌ، فيدلُّ علَى أنَّهُ لا يُشتَرَطُ الإذنُ الخاص، ويُكتفَى بالعامّ، وقد اختلف المُفسرون في معنَى قوله تعالَى: {لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات: ١] (٥) .