ثم يضيف الشيخ:"أن بعض العلماء كالجويني منع السبي إلا أن يحصل ملك اليمين على المعنى التام، ثم فسر ذلك بأن ملك اليمين لا يحصل بأن تضعه في يدك: ولكن باستقرارها في دار الإسلام، وبالتالي هذا المعنى أن يكون لها استقرار في دار إسلام (هذا المعنى بعيد اليوم) غير موجود، ولذلك هناك من يقول بأن السبي لا يجوز أصالةً من جهة عدم تحقق شروطه [1] وهذا قول قوي، وأما منعه من جهة المفسدة والمصلحة -وهو أنه معطِّلٌ لنا- فهذا الذي هو شيء يقيني وثابت".
قال الشيخ عطية الله الليبي رحمه الله:"الجهاد في مراحله الأولى في مثل ظروفنا هذه يحتاج منا إلى بذل فضول الأموال، لا أن نأخذ منه، ولذلك فإن الرأي الراجح عندي -وهو ما اختاره بعض أهل العلم والمسألة خلافية-: أن لولي الأمر منع الغانمين من الغنيمة إذا رأى -نظرًا لمصلحة الإسلام والمسلمين- أن يمنع قسمتها على الجيش ويصرفها في مصلحة الدين والجهاد".
وقال أيضًا:"اتقوا الله أولًا وأصلحوا ذات بينكم ولا تختلفوا ولا تجعلوا همكم الغنيمة، فإن الدين والجهاد يحتاج منا في هذه المرحلة إلى بذل وعطاء وسماحة وسخاء، يحتاج معنا إلى أن نبذل من أموالنا وننفق .. فإما أن تكون الغنائم ممنوعة عن الجيش في هذه المرحلة إلى أن يشاء الله ويرى أمراء الجهاد وولاة أمر المجاهدين أن يشرعوا في قسمة الغنائم فهذا لهم، وإما إن كانوا مبدئيًّا ماشين على الرأي الآخر" [2] .
قال عبد الرحيم بن مراد:"سبب الخلل الحاصل عند كثيرٍ من المتأخرين ممن كتب في الجهاد أو تحدث عنه هو عدم التفريق بين أحكام جهاد الطلب وجهاد الدفع" [3] ، ومن هذه الأحكام مسألة توزيع الغنيمة.
وأضاف:"قال الإمام ابن حجر:"قال أهل العلم: لو أسر أسير مسلم وجب استنقاذه ولو أتى على جميع أموال المسلمين فإذا لم يوجد المال تعيّن الجهاد" [4] ."
وهذه كلمة رائعة من الحافظ رحمه الله فلو أسر أسير واحد وجب الجهاد دفعًا حتى لو كلف ذلك جميع أموال المسلمين، فما بالك بمئات آلاف الأسرى من الأحرار والحرائر العفيفات، وإذا لم يوجد المال -كما في بعض حالاتنا- فيبقى الجهاد فرض عين، إذ أن دفع كل أموالنا لاستنقاذ المسلم فرض عين، فإن لم يوجد المال فالجهاد بالنفس، فما بالك في واقعنا حيث كل بلاد الإسلام أسيرة، فضلًا عن أسارى المسلمين.
(1) وما نقوله عن السبي هو بالضبط ما يقال في الغنيمة بلا فرق، وما السبي إلا جزء من الغنيمة.
(2) الأسئلة الصومالية للشيخ عطية الله الليبي.
(3) صهيل الجياد في شرح كتاب الجهاد من بلوغ المرام.
(4) لم أجد هذه العبارة لابن حجر، ولعله أوردها بالمعنى.