فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 209

وقال في كلمات ذهبية:"لو ضاق المال عن إطعام جياعٍ والجهادِ الذي يتضرر بتركه قدمنا الجهاد وإن مات الجياع كما في مسألة التترس وأولى، فإن هناك نقتلهم بفعلنا وهنا يموتون بفعل الله" [1] .

فحيث ضاق المال -مال الغنيمة أو غيرها- عن إطعام الجياع أو سد حاجة المحتاجين (ومنهم الغزاة والمجاهدون رغم أنه حقهم بالأصل، لكن تزاحمت ضرورة سد حاجتهم أو إطعامهم وهم جياع مع ضرورة وضع هذا المال في نفقات جهاد الدفع) قدمنا الجهاد ولو أدى ذلك لموت هؤلاء الجياع، فما بالك فيما لو قدمنا مصلحة الجهاد وأدى ذلك إلى عوز البعض وحاجته أو وقوعه في الفقر؟! ثم يستشهد شيخ الإسلام بقياس الأولى فيقول ما معناه: نحن نقتل الترس بأيدينا عند الضرورة لمصلحة استمرار الجهاد وتحقيق مقاصده، فكيف في حالتنا ونحن لا نقوم بالقتل، ولكن نقدم مصلحة الجهاد على مصلحة الجياع فيموتون بفعل الله لا بأيدينا؟! والحق أن هذه الجملة من شيخ الإسلام كافيةٌ لتكون قاعدةً يستدل بها على ما نحن بصدده.

ب) بعض القواعد العلمية (أصولية، فقهية) :

ومن القواعد التي يمكن الاستشهاد بها على موضوعنا أصوليةً كانت أو فقهيةً ما يلي:

1 -إن الله لم يكلف عباده إلا بما يستطيعون، فأناط التكليف بالاستطاعة {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ، وحيث فقدت هذه الاستطاعة (القدرة) فلا تكليف، بمعنى أن توزيع الغنيمة تكليف -أي حكم شرعي واجب التطبيق- ولكن يشترط لتطبيق هذا الحكم -كما كل الأحكام الشرعية الأخرى- الاستطاعة، وهي امتلاك القدرة على تطبيقه. والمقصود بالقدرة هنا"القدرة الشرعية"وليس مجرد إمكانية القيام بالفعل. والقدرة الشرعية هي إمكانية القيام بالعمل دون أن يترتب عليه ضررٌ شرعي أو مفسدة شرعية راجحة، فإذا ترتب عليه مفسدة راجحة فهذا يعني أننا غير قادرين شرعًا وبالتالي غير مكلفين بتطبيقه، ولا يقال لمن كان هذا حاله -أي لا يملك القدرة الشرعية لأداء الفعل- لا يقال إنه لم يمتثل الواجب، حيث هو معذور بفقد شرط القدرة، وهذا الفقد مانعٌ شرعي معتبر في عدم تطبيق الأمر، وإن كان الواجب الشرعي في مثل هذه الحالة هو السعي الحثيث لملك الاستطاعة وإزاحة العذر.

وإناطة الأحكام الشرعية بالقدرة عامٌ لا يقتصر على مسألة الغنيمة فحسب.

(1) الفتاوى الكبرى (5/ 537) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت