فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 209

قال شيخ الإسلام:"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، بخلاف ما لا يتم الوجوب إلا به فإنه ليس بواجب، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ... فإن ما ليس مقدروًا عليه لا يكلف به العباد، بل وقد يكون مقدورًا عليه ولا يكلفون به" [1] .

وقال أيضًا:"وكما يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". [2]

الجهاد واجب، ولكن هذا الحكم الشرعي -وجوب الجهاد- يسقط وقت العجز، ولكن يجب السعي في إعداد القوة ورباط الخيل توصلًا لذلك الواجب.

وقال أيضًا:"فإن مدار الشريعة على قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} المفسر لقوله: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} ، وعلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» أخرجاه في الصحيحين. وعلى أن الواجب تحصيل المصالح وتكميلها؛ وتعطيل المفاسد وتقليلها، فإذا تعارضت كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما: هو المشروع" [3] .

وأما أن المفسدة الراجحة تعدّ عذرًا في عدم تطبيق الأمر، ووجودها يعد مانعًا من تطبيق الحكم، ففي ذلك يقول ابن أبي العز الحنفي في شرحه على متن العقيدة الطحاوية:"فالاستطاعة المشروطة في الشرع أخص من الاستطاعة التي يمتنع الفعل مع عدمها [4] ، فإن الاستطاعة الشرعية قد تكون ما يُتصور الفعل مع عدمها وإن لم يعجز عنه. فالشارع ييسِّر على عباده ويريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ، والمريض قد يستطيع القيام مع زيادة المرض وتأخر برئه فهذا في الشرع غير مستطيع، لأجل حصول الضرر عليه، وإن كان قد يسمى مستطيعًا، فالشارع لا ينظر في الاستطاعة الشرعية إلى مجرد إمكان الفعل، بل ينظر إلى لوازم ذلك، فإن كان الفعل ممكنًا مع المفسدة الراجحة لم تكن هذه استطاعة"

(1) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (2/ 53) .

(2) مجموع الفتاوى (28/ 259) .

(3) مجموع الفتاوى (28/ 284) .

(4) فها هنا قدرتان: القدرة بمعنى إمكانية القيام بالفعل، والقدرة بمعنى القيام بالفعل دون مفسدة راجحة فهذه هي القدرة الشرعية، وهي مناط الأحكام الشرعية، فحيث فقدت فلا تطبق الأحكام الشرعية، وبسبب الخلط بين هذين النوعين من القدرة حصل خلل كبير عند البعض، ومن أبرز أمثلته قضية"تطبيق الحدود في المناطق المحررة"وتفصيل هذا في غير هذا الموضع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت