قال في الشرح الممتع على زاد المستقنع، بعد ذكره للتفريق بين الفارس والراجل:"فإذا قال قائل: فماذا تقولون في حروب اليوم؟ فالناس لا يحاربون على خيلٍ وإبل، بل بالطائرات والدبابات وما أشبهها؟ فالجواب: يقاس على كل شيء ما يشبهه، فالذي يشبه الخيل: الطائرات، لسرعتها، وتزيد أيضًا في الخطر، والذي يشبه الإبل الدبابات والنقليات وما أشبهها، فهذه لصاحبها سهم ولها سهمان، والراجل الذي يمشي على رجله مثل القناصة له سهم واحد، فإن قال قائل: الطيار لا يملك الطائرة فهل تجعلون له ثلاثة أسهم؟ نقول: نعم نجعل له ثلاثة أسهم، سهم له وسهمان للطائرة، وسهما الطائرة يرجعان إلى بيت المال، لأن الطائرة غير مملوكة لشخص معين بل هي للحكومة" [1] .
وحيث أن الطائرة ليست ملكًا لشخص معين فعاد سهمها لبيت المال ... للحكومة، وفي حالتنا للجماعة، حيث أن ملكية مثل هذه الأشياء (الطائرات، الدبابات، الصواريخ، المدافع، .. إلخ) لا تعود للأفراد بل للجماعة.
ما هو موقع الجماعات الجهادية القائمة اليوم -ومنها جبهة النصرة- من الحالات السابقة والكلام الآنف؟
إن جبهة النصرة ومثلها بقية جماعات الجهاد في العالم الإسلامي ليست بديلًا عن الأمة بل هي جزء منها، ولكنها أجدر من يصلح لتمثيل الأمة من الناحية السياسية، المعتبرة شرعًا.
وبالتالي فالجماعات الجهادية هي الوريث الشرعي للسلطة الإسلامية إلى أن تقوم دولة الإسلام وتُمكَّن، ولهذه الجماعات نوع ولايةٍ بحسب نسبة التمكين الذي تصل إليه، مع ملاحظة أن أيًّا منها لم يصل بعد إلى التمكين الذي يصح معه وصفها بأنها دولة أي (دار الإسلام ودولته ونظامه المالي وبيت المال .. إلخ) وهي وإن كانت لمّا تصل بعد، لكن هذا طريقها، وتأخذ بعض أحكام السلطة من جهة وتختلف عنها من جهة أو جهات.
هذا من زاوية، ومن زاوية أخرى؛ فإن واقع العالم الإسلامي اليوم الذي تعيش فيه هذه الجماعات الجهادية هو الحالة الثالثة التي سبق تفصيلها وهي جهاد الدفع بكل معنى الكلمة، وبكافة أشكال الدفع عن الدين والعرض والنفس والعقل والمال في ظل غياب مفهوم الأمة السياسي والدولة والدار وبيت المال والسلطان والإمام، حيث تقوض بنيان مملكة الإيمان وقام على أنقاضه بنيان مملكة الجاهلية المعاصرة، ولا
(1) الشرح الممتع على زاد المستقنع لابن عثيمين (8/ 30) .