مثلًا: يقول الإمام بعد انتهاء المعركة يرجع الجيش وتبقى هذه السرية وراءنا لعل العدو يتبعنا، فلو أن هذه السرية غنمت شيئًا فهذا الذي تغنمه يخرج منه الخمس لمن ذكر الله تعالى، والباقي يثلث، فالثلث يكون خاص بالسرية، والثلثان الباقيان يقسمان بين الجيش والسرية معًا.
قال العلماء: إنما زاد النفل في الرجعة لمزيد الخطر على السرية، ولأن قلوبهم متعلقة بالرجوع إلى أهلهم فالبقاء أشد من الذهاب ابتداءً، فلذلك كافأهم الشرع بالزيادة على البداءة [1] .
واختلف العلماء هل هذا على سبيل الوجوب أو الجواز والظاهر والله أعلم أنه راجع إلى اجتهاد الإمام" [2] ."
قال أبو عبيد في الأموال:"وتأويلُ نَفَل السرايا: أن يدخل الجيش أرض العدو، فيُوجه الإِمام منها سراياه في بدأته، فيضرب يمينًا وشمالًا، ويمضي هو في بقية عسكره أمامه، وقد واعد أمراء السرايا أن يوافوه في منزلٍ قد سماه لهم يكون به مُقامُه إلى أن يأتوه، ووقّت لهم في ذلك أجلًا معلومًا، فإذا وافته السرايا هناك بالغنائم بدأ فعزل الخمس من جملتها، ثم جعل لهم الربع مما بقي نفلًا خاصًّا لهم، ثم يصير ما فضل بعد الربع لسائر الجيش، وتكون السرايا شركاءهم في الباقي أيضًا بالسوية، ثم يفعل بهم بعد القفول مثل ذلك، إلا أنه يزيدهم في الانصراف فيعطيهم الثلث بعد الخمس، وإنما جاءت الزيادة في المُنْصَرَف لأنهم يبدءون إذا غزوا نِشاطًا متسرعين إلى العدو، ويَقفُلون كِلالًا بِطاءً، قد ملّوا السفر وأحبوا الإياب، وأما اشتراك أهل العسكر مع السرايا في غنائمهم بعد النفل فإنما يُشْرِكونهم، لأن هذا العسكر رِدْءٌ للسرايا، وإن كان أولئك حووا الغنيمة، وهؤلاء غُيَّبٌ عنها، وهو تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي ذكرناه: «وَيَرُدُّ أَقْصَاهُمْ عَلَى أَدْنَاهُمْ، وَمُشِدُّهُمْ عَلَى مُضْعَفِهِمْ، وَمُتَسَرِّيهِمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ» " [3] .
قال في أضواء البيان:"التنفيل الذي اقتضى الدليل جوازه أقسام:"
الأول: أن يقول الإمام لطائفة من الجيش: إن غنمتم فلكم كذا بعد إخراج خمسه، فهذا جائز، وله أن ينفلهم في حالة إقبال جيش المسلمين إلى الكفار الربع، وفي حالة رجوع جيش المسلمين إلى أوطانهم الثلث
(1) جاء في هامش الدرر:"قال ابن قدامة في المغني: (وإنما زيد في الرجعة على البداءة في النفل لمشقتها، فإن الجيش في البداءة ردء للسرية تابع لها، والعدو خائف وربما كان غارًا -يعني غافلًا غير متنبه لغزوهم له-، وفي الرجعة لا ردء للسرية؛ لأن الجيش منصرف عنهم، والعدو مستيقظ كلِب. قال أحمد: في البداءة إذا كان ذاهبًا الربع وفي القفلة إذا كان في الرجوع الثلث، لأنهم يشتاقون إلى أهليهم فهذا أكبر"اهـ.
(2) الدرر الحسنية شرح السياسة الشرعية (ص 109 - 110) بتصرف يسير.
(3) الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام (1/ 397) .