وكان الصوفيون القدامى زهادًا نسّاكا، كما كانوا أيضًا أكثر من ذلك، ذلك أنهم إما طلعوا على الناس بالجوهر الروحي والرمزي الموجود في الإسلام، أو أنهم أدخلوه فيه إذا لم يكونوا قد وجدوا حينذاك. ويقول السهروردي: (التصوف غير الفقر، والتصوّف غير الزهد، والتصوف اسم جامع لمعاني الفقر ومعاني الزهد مع مزيد وإضافات لا يكون بدونها الرجل صوفيا وإن كان زاهدًا فقيرا) ثم يمضي بعد قليل في شرح الخلاف في قوله: (الفقير في فقره متمسك به متحقق بفضله، يؤثره على الغنى متطلعًا إلى ما تحقق من العوض عند الله لحديث نبوي) ، فكلما لاحظ العوض الباقي أمسك عن الحاصل الفاني، وعانق الفقر والقلة، وخشي زوال الفقر لفوات الفضيلة والعوض، وهذا عين الاعتدال في طريق الصوفية، لأنه تطلع إلى الأعواض وترك لأجلها، والصوفي يترك الأشياء لا للأعواض الموعودة، بل للأحوال الموجودة، فإنه ابن وقته، وأيضًا ترك الفقير الحظ العاجل، واغتنام الفقر اختيار منه وإرادة، والاختيار والإرادة علة في حال الصوفي، لأن الصوفي صار قائمًا في الأشياء بإرادة الله لا بإرادة نفسه، فلا يرى فضيلة في صورة فقر ولا في صورة غنى، إنما يرى الفضيلة فيما يوفقه الحق فيه ويدخله عليه)
ومفتاح التصوف نكران الذات وعدم الأثرة أو بمعنى آخر (الحب) ومع أن هذه الفكرة ليست غريبة بأكملها، إلا أنها كانت بعيدة جدًا عن أن تكون معروفة للمسلمين الأتقياء الذين كانوا متأثرين تمامًا بقوة الله وبطشه أكثر من رحمته وغفرانه. . وإن جل تاريخ التصوف لهو مناهضة التفرقة غير الطبيعية بين الله والإنسان، وتبعًا لذلك لا أرى ثمة ضرورة تدعونا للبحث عن أصل المذاهب الصوفية في غير الإسلام، على الرغم من أنه من الخطل ألا نذكر الأثر المسيحي الذي أثر ولابد في الحركة في طورها الأول.
أما الطابع التفكيري الذي أُشربوه شيئًا فشيئًا، والذي بد لهم على مر الزمن فقد كان بين مد وجزر وارتفاع وانخفاض طوال العصر الأموي وطيلة قرن تقريبًا بعد تقلد بني العباس مقاليد الخلافة والحكم. ولا يزال الصوفيون الأوائل ينهجون منهج السنة، فَصِلَتهم بالإسلام نسبيًا كصلة متصوفي الأسبان في القرون الوسطى في الكنيسة الكاثوليكية. ذلك بأنهم كانوا يعلقون كبير أهمية على بعض النواحي الخاصة في التعاليم الإسلامية ويولونها جل اهتمامهم بدرجة تجعل النواحي الأخرى تكاد تكون في حيز العدم. وهم لا ينهمكون في علم