فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 20432 من 65521

الشجراء. . . فوقف يحلم بالوصول إليها، ويتأمل صورتها التي صنعها خياله، وأقامها أمام عينيه، خاشعًا خشوع العابد في محرابه، مشوقًا شوق المحب المتيم إلى صاحبته، مستغرقًا استغراق الصوفي في مراقبته، والحالم في أحلامه، لا يحس مما حوله شيئا!

وظل واقفًا شاخصًا إلى الأفق، غارقًا في تأملاته، حتى لاح على الأفق من ناحية المشرق سواد خفيف، لم يلبث أن اشتد حتى شمل الصحارى النائية، ثم امتد حتى عم القفر كله، ثم تسلق السفوح حتى غمر القمم الواطية، ثم وصل إلى الذرى العالية فلفها هي والقرية في ثوبه القاتم، وأحال الكون كله كتلة من الظلام. . . عند ذلك انتبه كليب، وأفاق من ذهلته، فذهب إلى منزله خائبا يجرّ رجله جرًّا وبات أرقا مسهدًا ينتظر انبلاج الفجر، ليحمل عصاه ويعود إلى صبيانه. . .

لم يكن كليب جاهلا ولا محمقا، وإنما كان أديبًا أريبًا فطنًا ذكيًا من أبلغ الناس لسانا، وأجرئهم جنانًا، وكان من أحفظهم لكتاب الله، وأبصرهم بالشعر، وكان فتى بادي الفتوة، قويًا ظاهرًا القوة، لا يعرف اللهو، ولا يميل إلى اللعب، ولكنه يعرف الجد في أموره كلها ويحب النظام، ويميل إلى الصدق، ويأخذ تلاميذه وأصحابه بشيء من القسوة أحيانًا، واللين حينًا، وكان يجنح إلى الحزم ولو اضطره الحزم إلى كثير من الشدة والصرامة، ولم يكن يؤخذ عليه إلا هذه الأمنية التي كانت تخرج به في كثير من أيامه عن الوقار والحزم، وتدنو به أحيانًا من اليأس والضعف وتعرضه على عيون الناس خفيفًا طياشًا، وهو الرزين الوقور، وتلقى الخلاف بينه وبين شريكه وزميله عقيل الذي كان أعرق منه في الصناعة، وأعلى في السن وأكثر اختبارًا للحياة، وإن كان دونه في مضاء عزيمته، وقوة شخصيته، حتى لقد اضطر عقيل إلى لومه مرارًا. وحاول مرة أن يسخر من هذه الحماقة التي ملأت رأسه، وأن يصرفه عنها، وأن ينتزع من نفسه الرغبة الأمارة والسلطان. . . فكان يستمع إليه ساكتًا جامدًا كالصحراء. . . فتجف الكلمات على شفتي عقيل، ولا يجد ما يقوله فيصمت هو أيضًا ويعاودان العمل

وكثيرًا ما كانت تطغى على كليب أحلامه فتغلب عليه وتستأثر به فينسى حاضره الواقع، ويعيش في مستقبله المأمول، فيحس كأنه في دست الملك لا على حشية المعلم، وأن أمامه الحاشية والأعوان، لا الأولاد والصبيان. فيرفع صوته آمرًا ناهيًا، ويستغرق في أمره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت