وكان صوته هامسًا خافتًا، كأنه كان يناجي نفسه، فإذا لم يجبه أحد، وطغى عليه شعوره، عاد يقول:
-ما أجمل هذا! ألا ترى؟
وكان الفجر قد انبلج، واستوى عموده، وامتدت خيوطه فإذا هي تملأ الفلاة كلها، وتحسر عن هذه المشاهد التي كانت مخبوءة وراء حجاب الليل، فإذا هي بارعة فتانة، ولم يكن صاحبنا المعلم قد رآها من قبل، فشده حين ظهرت له بغتة، كأنها لوحة فنية أزيح عنها غطاؤها، أو كنز فتح له بابه، أو متحف فيه كل جميل أخاذ أضيئت له جوانبه، فلم يدر أين كان هذا كله مخبوءًا، وحارت نفسه بين خضرة البساتين التي تحف بالبلد، أينعم النظر إليها ويذوق حلاوتها بعد هذه الأيام الطويلة التي ذاق فيها مرارة البادية، ويصغي إلى تهامس أوراقها المتلاصقة، ونجوى أفنانها المتعانقة، أم يتأمل هذه البنى العظيمة التي أودعها الفنانون من البيزنطيين أبدع ثمرة من جني قرائحهم الخصبة، ونزلوا لها عن أجمل نتاج لعبقريتهم ونبوغهم، لتكون عروس البادية، تخطر بعظمتها وجمالها، وتتهادى بزخرفها وزينتها على الرمال الخالدة. . .
وكان الفجر قد امتد إلى نفس المعلم الشاب، فأضاء له عوالمها كما أضاء هذا العالم، وحسر له عن آماله التي كانت مختفية في ظلام الأسفار، كما كانت هذه المشاهد غائبة في سواد الليل، فعاد إليها، وتمثلها قوية ظاهرة، وأحس كأن فجر حياته الماجدة قد انبثق، فختم صفحة هذا الليل الأسود الذي قضاه معلمًا في أعالي الجبال، ليفتح صفحة النهار الوضاء الذي يقضيه في المدن الكبيرة أميرًا عظيما، وتلهى بأحلامه عن هاتين اللوحتين اللتين حار بينهما أولًا: اللوحة التي وشاها الربيع، واللوحة التي زينها الفن، وانطلق يفكر في دمشق، ماذا تكون إذا كان هذا كله لقرية من قراها؟
بقيت القافلة في (بصرى) ريثما باعت واشترت، وقضى تجارها وطرًا من الربح والكسب، ثم توجهت تلقاء دمشق، وكان المعلم الشاب يكلف ذهنه ضروبًا من الكد ليمثل له صورة لدمشق تشبه ما كان يسمع عنها من الأخبار التي كانت تشيع في الأرض حتى تبلغ تلك الذرى العالية التي لا تهجع عليها قريته فتنشر فيها مكبرة منفوخة مكسوة بأنواع المبالغات، تصور له دمشق جنة كالتي وعد المتقون، لها من العظمة والجلال ما تتضاءل أمامه عظمة