توفيق الحكيم
الهجرة المحمدية أساس الحضارة الإسلامية
للأستاذ محمد لطفي جمعة
دعا نبينا محمد عليه الصلاة والسلام العرب فلبى دعوته الكثير، وتلكأ القليل ممن أعمتهم الأغراض والمنافع وأضلهم تنازع السلطان والسيادة. وقد أتى محمد بكتاب وآيات بينات ومبادئ كانت عقول العرب وطبائعهم مستعدة لقبولها وفهمها قبل نقدها نقدًا ينتهي بالقبول والانضمام إليها. وكان نبأ ظهوره (عم يتسائلون؟ عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون!) النبأ الأعجب، مما سجل في تاريخ الإنسانية. ولم ينقض عليه جيل من الزمان حتى ثلَّ عروشًا كانت ثابتة الأركان، وحطم دولًا عالية البنيان، واكتسح ممالك وإمبراطوريات رفيعة الذرى مترامية الأطراف، ومحا معتقدات عريقة في القدم، وهدم ديانات مرت عليها الأجيال والحقب ولم تنل منها ما ناله الإسلام في عشرين سنة. ويدهش المؤرخ العصري أن يعلم أن سائر الأديان نمت وترعرت في ظل حاكم ناصر أو ملك قاهر، اعتز به الدين وتأيد حتى رسخت قوائمه وثبت سلطانه، ما عدا الإسلام. فكان الملوك والأمراء والأقوياء يقاومونه فيتغلب عليهم، ثم يحمي المنسوبين إليه فيعتزون به ويستظلون بظله ويعظمون في أكنافه، وكان أول من علا شأنه بذلك الدين العرب أنفسهم، فلم يكونوا قبله في المكان الأرفع ولا المنزلة السامية من الوجود التاريخي، فنصرهم نصرًا خارقًا، حتى أصبح علمهم عاليًا خافقًا، في آسيا وأفريقية وأوربا. وإن سر هذا النجاح وسببه وأساسه هو الهجرة المحمدية التي انتقل بها محمد من مكة الجامدة الآسنة الراكدة العاصية المستغرقة في الماديات المتشبثة بالسلطة الدنيوية الآخذة من الملذات والأسمار بأوفر نصيب، إلى المدينة الهادئة الهينة اللينة التقية النقية العفيفة المتعلقة بالمعاني والأرواح والمثل العليا الطاهرة.
يفني البرايا ويأتي الوقت مختلفًا ... ليخرج الدهر تاريخًا من الأمم