عبادة الأكمل التي جعلت من الإنسان حيوانًا راقيًا. . .
غمرت القرية روح عجيبة غيرت من كل شيء فيها. . . وملأت هذه المخلوقة الصغيرة كل هذا الفراغ المترامي. . . حتى تكونت لهم أخلاق خاصة بها، فخفت الألفاظ البذيئة التي كانوا يتنادرون بها عادة فيما بينهم، وأصبحوا يعدون كل كلمة تفوه بها حجة لا تقبل الجدل وبندًا يضاف إلى بنود دستورهم الأخلاقي الجديد
قالت يومًا لقروية رأت ما عليها طفلها من الإهمال: إن الفقر ليس معناه القذارة، وإن النظافة أقل أسباب الصحة نفقات، وهي من ضروب الاقتصاد التي يجب أن تلازم الفقر. . . فتضاعفت كمية الصابون الواردة إلى القرية بشكل لم يسبق له نظير في تاريخها
وحدث أن هاج ثور من ثيران العمدة وأخذ يغدو ويروح بين الأزقة الضيقة وينطح كل ما يصادفه بقرنيه الشرستين، واتفق وجودها في الشرفة ورأت في جزع حياة المارة المعرضة للخطر. فدفع هذا الجزع قرويًا شابا كان مشهورًا بين زملائه بالاستكانة والضعف الجسماني إلى المغامرة بحياته. . . ويقول الذين رأوا الحادث إن الشاب امتلأ فجأة بنور كضوء القمر، والتمعت عيناه كنجمتين وانقض على الثور الهائج معرضًا حياته لموت محقق، وقبض على قرنيه وضغطهما في قوة هائلة جعلت الثور يتراجع ويسقط على قائمتيه؛ ثم ربطه في حبل وقاده إلى مربطه بين الدهشة والضجيج. ومما هو جدير بالذكر أن الفتاة قدمت إليه بهذه المناسبة قطعة فضية ظل يحتفظ بها كوسام برغم الظروف العسيرة التي مرت به
وكان هذا الحادث سببًا في زواجه من فتاة كان يحبها وكانت ترفضه.
وأشد من ذلك غرابة أن قوة الشاب البدنية أخذت من هذا اليوم تزداد، ومظهره أخذ يبدو أكثر نظافة وأناقة. وأنا وإن كنت لا أستطيع تفسير هذه الظاهرة تحليليًا إلا أني لا أشك مطلقًا في أن هذا الحادث كان سببًا لها
تحققت إذن كل خيالات القرية الجائعة في هذا الملاك الشهي واندفعت بكل رغبتها في الخلاص وأملها في التخلص تقيد الشموع وتشعل المباخر في معبد أقامته من الأماني قربانًا للمعبودة السمراء
لقد ارتفعت وارتفعت حتى وصلت إلى مصاف الأنبياء أو فوق مكانة البشر