وقد فطن ابن سينا لهذا الفرق بين اللسانين وشق عليه أن يفهم الأمثلة المضروبة في اليونانية، كما جاء في هذا المثال الدال على الغلط لاختلاف مفهوم التركيب. ونحن ننقل ما ذكره ابن سينا: العدو لى يتغصب، والمقاوم لى يأخذ. وهذا مثال يحسن في غير لغة العرب [1] وأصل المنال في نص أرسطو [2] وهو في الترجمة اللاتينية، وهذه العبارة قد تفهم على وجهين إما وإما. والمعنى ادع لى أن أقبض على العدو. ومن هنا جاءت قراءتنا للفظة يتغصب أى يؤخذ قهرا.
ولا نريد أن نتتبع جميع المواضع التى لم يحسن الشيخ الرئيس فهمها، فليس هذا غرضنا، وبخاصة لأن كتابه ليس ترجمة لنص أرسطو. إنما الذى نريد أن نبينه هو أن كتاب أرسطو في السفسطة من الكتب الدقيقة التى لا يمكن أن تفهم حق الفهم إلا إذا كان الباحث ملما باللغة اليونانية إلماما يمكنه من الاطلاع على الأسرار اللغوية التى يرمى إليها المعلم الأول. أما كتب أرسطو المنطقية الأخرى كالمقولات أو التحليلات، فلأنها تبحث في أصول عامة، وفى قوانين الفكر مع قطع النظر عن الاعتبارات اللفظية، فقد أمكن للعرب أن ينقلوها، وأن يحسنوا التعليق عليها، ويشرحوها، على خلاف كتاب السفسطة الذى لم يتناوله ابن سينا بالإفاضة، كما فعل في الكتب السابقة.
(1) السفسطة، ص 10
(2) 166ا، 7وفى الترجمات القديمة العبارة غير مفهومة كذلك، ففى نقل يحيى بن عدى ألا يريدون أن يأخذوا للمحارب. وفى نقل ابن زرعة يريدون للقاوم لى يأخذون.