أضف إلى ذلك أن أرسطو ألف كتابه للرد على السوفسطائيين الذين كانوا حقيقة واقعة في زمانه، وكانت لهم، وبخاصة في عصر سقراط وأفلاطون، فلسفة وأدب واتجاهات يتميزون بها دون غيرهم. فالكتاب ملائم لروحهم، أو هو مرآة للحياة اليونانية في ذلك العصر، يفهمه اليونانى، ويجد غير اليونانى صعوبة في فهمه. ولهذا السبب نفسه كان من الصعب نقل كتاب الشعر لأرسطو، وذلك لاتصاله بالأدب اليونانى وخصائصه المباينة للأدب العربى.
وضع ابن سينا لنفسه بإزاء أرسطو خطة تجمع بين الاتباع والابتداع، ودستورا ينص على المحاذاة ولا يمنع المباراة. فقد صرح في مقدمة الشفاء بحسب عبارته: «واجتهدت في اختصار الألفاظ جدا، ومجانبة لتكرار أصلا ولا يوجد في كتب لقدماء شئ يعتد به إلا وقد ضمناه كتابنا هذا وقد أضفت إلى ذلك مما أدركته بفكرى، وحصلته بنظرى، وخصوصا في علم الطبيعة وما بعدها، وفى علم المنطق» [1] . وفى موضع آخر:
«ولما افتتحت هذا الكتاب ابتدأت بالمنطق، وتحريت أن أحاذى به ترتيب كتب صاحب المنطق، وأوردت في ذلك من الأسرار واللطائف ما تخلو عنه الكتب الموجودة» [2] . ويؤيد ذلك تلميذه الجوزجانى حيث يقول: «وهناك اشتغل بالمنطق، وتمكن من الكتب، فعرض من ذلك أن حاذاها، وجرى على ترتيب القوم فيها، وتكلم على ما استنكره من أقوالهم، فطال المنطق» [3] .
(1) ابن سينا، الشفاء، المدخل، المطبعة الأميرية، 1952، ص 109
(2) المرجع السابق، ص 11
(3) المرجع السابق، ص 3