وفى موضع آخر: وسيجد المتأمل لهذا الكتاب بعين الاعتبار من النكت والنوادر والتفريعات والبيانات ما لا يجده في كتب السالفين» [1] .
أما الاتباع والمحاذاة فليس ذلك قاصرا على ترتيب الكتب المنطقية، بل على ترتيب الموضوعات في داخل كل كتاب. ويكاد يكون كتاب السفسطة تلخيصا أمينا، وإيرادا للأمثلة ذاتها التى ذكرها أرسطو.
ويعترف الشيخ في آخر الكتاب بأن المعلم الأول أوفى على الكمل، ودعا الناس إلى تأمل: «ما قاله هذا العظيم هل ورد من بعده إلى هذه الغاية من أخذ عليه أنه قصر، وهل نبغ من بعده من زاد عليه في هذا الفن زيادة» [2] . فليس لنا بعد ذلك أن ننتظر منه خروجا على تعاليم أرسطو، أو شق عصاه في الشفاء.
أما الابتداع والمباراة فيمكن تلخيصها في هذه العبارات التى ننقلها عن ابن سينا: «وأما مقاومة السوفسطائيين فلم يوف السالفون منها شيئا يعتد به، لقلة الحاجة إليه بل لم يكن عندهم منها شئ لا في الأصول ولا في الجزئيات نرثها إياهم أصلا. ومع ذلك فإن الحاجة قلت إلى صناعة السوفسطائية، فلم يثم عقودها فضلا عن حلولها، بل تكلموا في أمثلة قليلة جزئية، وأشياء تناسب الخطابة. لكنا بسطنا القول قليلا، ونظرنا في وجوه الأغاليط، وجمعناها، وجردناها صناعة كلية» [3] .
يفخر ابن سينا في هذه العبارات أنه جعل السفسطة صناعة كلية، لا مجرد رد على السوفسطائيين، باعتبار أن الحاجة قلت إلى مثل ذلك. وهو
(1) المرجع السابق، ص 4
(2) السفسطة، ص 114
(3) السفسطة، ص 112