وفي هذا الذي قال مكحول نظر ؛ فإنه لا يلزم من إباحة طعام أهل الكتاب إباحة أكل ما لم يذكر اسم الله عليه ؛ لأنهم يذكرون اسم الله علي ذبائحهم ، وفي آنيتهم ، وهم متعبدون بذلك ، ولهذا لم يبح ذبائح من عداهم من أهل الشرك ، من شابههم ؛ لأنهم لا يذكرون اسم الله على ذبائحهم ، بخلاف أهل الكتابين ، من شاكلهم من السامرة ، والصابئة ، ومن تمسك بدين إبراهيم ، وشيث ، وغيرهما من الأنبياء على أحد قولي العلماء .
ونصارى العرب لبني تغلب ، وتنوخ ، وبهراء وجذام ولخم وعاملة ، ومن أشبههم لا تؤكل ذبائحهم عند الجمهور .
وروى ابن جرير عن علي عليه السلام أنه قال: لا تأكلوا ذبائح بني تغلب ، وأما المجوس فإنه وإن أخذت منهم الجزية تبعًا وإلحاقًا لأهل الكتاب فإنه لا تؤكل ذبائحهم ، ولا تنكح نساؤهم خلافًا لأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي أحد الفقهاء من أصحاب الشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وأنكر عليه في ذلك حتى قال أحمد: أبو ثور كاسمه .
وكأنه تمسك بعموم حديث روي مرسلًا عن النبي أنه قال: ' سنّوا بهم سنة أهل الكتاب ' ( 1 ) .
ولكن لم يثبت بهذا اللفظ ، وإنما الذي في صحيح البخاري عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: أخذ رسول الله الجزية من مجوس هجر ( 2 ) ، ولو سلم صحة هذا الحديث فعمومه مخصوص بمفهوم هذه الآية: ( ^ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لهم ) فدل بمفهوم المخالفة على أن طعام من عداهم من أهل الأديان لا يحل .
وقوله: ( ^ وطعامكم حل لهم ) .
أي ويحل لكم أن تطعموهم من ذبائحكم وليس هذا إخبار عن الحكم عندهم ، اللهم إلا أن يكون خبرًا عما امروا به من الأكل من كل طعام ذكر اسم الله عليه سواء كان من أهل ملتهم ، أو غيرها ، والأول أظهر في المعنى ؛ أي ولكم أن تطعموهم من ذبائحكم كما أكلتم من ذبائحهم .