الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ" [التوبة: الآية 37] . والمراد كانوا يقاتلون في الشهر الحرام عامًا فيحلونه بذلك ويمتنعون من القتال فيه عاما فيحرمونه بذلك وقال الله عز وجل"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" [المائدة: الآية87] . وهذه الآية نزلت بسبب قوم امتنعوا من تناول بعض الطيبات زهدا في الدنيا وتقشفًا وبعضهم حرّم ذلك عن نفسه إما بيمين حلف بها أو بتحريمه على نفسه وذلك كله لا يوجب تحريمه في نفس الأمر وبعضهم امتنع منه من غير يمين ولا تحريم فسمي الجميع تحريمًا حيث قصد الامتناع منه اضرارًا بالنفس وكفا لها عن شهواتها ويقال في الأمثال: فلان لا يحلل ولا يحرم إذا كان لا يمتنع من فعل الحرام ولا يقف عند ما أبيح له وإن كان يعتقد تحريم الحرام فيجعلون من فعل الحرام ولا يتحاشى منه محللًا وإن كان لا يعتقد حله". إن أي نظام يحلل ما حرم الله أو يحرم ما أحل الله فهو نظام خارج من دائرة الإسلام.
قال المفكر محمد الغزالي في كتابه الجانب العاطفي في الإسلام ص62:"فيصل التفرقة بين ألوان الخروج عن الدين. فهناك اللمم المرتجى له العفو وهناك الإهمال الذي يستحق اللوم وهناك التفريط أو الانحلال اللذان يستوجبان العقوبة، وهناك أخيرًا المروق الذي يحكم على صاحبه بالارتداد والتقصي عن ربقة الإسلام فشرب الخمر مثلًا جريمة ولها حد تواضع المسلمون على إقامته وربما رأيت بعض واهني العزيمة من المدمنين الذين ألفوا الخمر في جاهليتهم لا يحسنون اجتنابها فيقعون فيها على خزي، وكان الحد قديمًا يقام على أحدهم فيتحمله راضيًا، مثل هذا المجرم لا نستطيع عده مرتدًا عن الإسلام إنه مسلم مخطئ وحسب ولكن هناك من يفتح معصرة لتقطير الخمور أو حانة لبيعها وهو يعلن عن بضائعه ويغري بتناولها ويجتهد في ترويجها هنا وهناك ويقيم حياته على مكاسبه من هذا الاتجار الخبيث، هذا الصنف لا يمكننا بأية حال أن نعده مسلمًا لقد كفر بلا ريب، وأثبت رباطه بالإسلام لماذا؟ لأن السكير الأول رجل وهت إرادته في الخير أما السكير الثاني فهو رجل قويت إرادته في الشر فالبون بينهما بعيد بُعد الخضوع المضطرب عن التمرد العاتي."
ونية الخضوع لا تخرج صاحبها عن معنى الإسلام أما نية التمرد والإصرار على رفض الطاعة فلا يمكن البتة أن تسمى إسلامًا بل إن ذلك عادة يصحبها استباحة الحرام وجحد الواجب وهما كفر باتفاق المسلمين. وفي أمثال هؤلاء المصرين المتمردين تساق آيات التخليد في العذاب التي تهددت بعض العصاة"وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا" [الجن: الآية 23]