وهاك مثالًا آخر: إن القاضي قد يميل عن الحق لشفاعة بعض ذوي الجاه وقد يميل عن الحق لهوى غلب عليه وجعله يحابي أحد الخصوم هذه معصية بلا ريب تستحق الويل والثبور وهي حكم بغير ما أنزل الله يعرض صاحبه لأشد العذاب ولكن هل ذلك كفر بالله وارتداد عن الملة؟! أو بتعبير آخر هل يسوَّى هذا الآثم بصنف آخر من الناس يرى الحكم بما أنزل الله بقية من مخلفات الماضي لا تستحق البقاء ويستبدل بها قانونًا آخر يبيح ما حرم الله ويقترح عقوبات أفضل في نظره مما شرعت السماء من حدود وقصاص؟ ويدرس ذلك ويدعو إليه ويوسع دائرة جهد الطاقة!!. إن العاصي الأول شخص طاش به نفع عاجل أو غلبته شهوة جارفة فحادت به عن طريق الواجب الذي يعرفه ويعترف به، أما الآخر فهو يدع أمر الله رغبة عنه واتهاما له، ويرى أن يتقدم بين يدي الله ورسوله بأحسن مما أوحى الله وبلغ الرسول، هذا إن كان في نفسه إقرار بأن النبوة حق وأن الله قائم بين عباده بالقسط، إن الفارق بعيدًا جدًا بين معصية تتم في الظلام ومعصية تقع في وضح النهار، بين معصية يكون العقل فيها غافيًا ومعصية تتم مع يقظة الفكر وإعمال الرأي بين معصية تمشي في الأرض على استحياء ومعصية تتبجح كأنها فضيلة، إن عزيمة تتعثر في طريق الخير غير عزيمة استحكمت في طريق الشر. ويستحيل أن ينسب إلى الإسلام فرد أو مجتمع من ذلك النوع الفاجر بعصيانه السافر باعتداء على حدود الله واطراح فرائضه واستبقاء محارمه إن الدين كما وضحنا إيمان بأن الله حق وإقرار بأن شرائعه واجبة النفاذ والسجود لها بالقلب والجوارح فمن استعلن بمسلك مضاد لما أمر الله به ونهى عنه واجتهد كي يرسي قواعد الشر مشاقًا لله ورسوله فهو فاسق كفور ومن البلاهة وصفه بالإيمان"أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ، أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَاوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَاوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ" [السجدة: الآية 18 - 20] . والضابط الذي يطرد حكمه في كل شيء والذي لا نقلق من السير معه هو أنه حيث يُرى أثر الخضوع لله والانقياد لأمره فالإسلام موجود وإلا فلا إسلام. أجل لا إسلام حيث تجحد الفرائض وتموت الشرائع ويسود الهوى ويضيع هدي السماء"وقال في صفحة 124 من نفس الكتاب"الكفران بالله والتمرد عليه ورفض توجيهاته خيانة عظمى"."
من عقائد المسلمين أن الإسلام دين ودوله لا فصل بينهما، هذه المقولة هي العلمانية بعينها وأوضح تعريف للعلمانية هو ذاك الذي ورد في مناقشات المجلس النيابي الفرنسي لدستور 1946.10.27، جاء فيه"إن العلمانية هي حياد الدولة تجاه الدين". والعلمانية هي محاربة الدين أصلًا، جاء في مجلة أكاسيا الماسونية عام 1904 ما نصه"إن طريقتنا"