فعلت الخوارج وهؤلاء لا تصلح بهم الدنيا ولا الدين الكامل لكن قد يصلح بهم كثير من أنواع الدين وبعض أمور الدنيا وقد يعفى عنهم فيما اجتهدوا فيه فأخطأوا ويغفر لهم قصورهم وقد يكونون من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا وهذه طريقة من لا يأخذ لنفسه ولا يعطي غيره ولا يرى أنه يتآلف الناس من الكفار والفجار لا بمال ولا بنفع ويرى أن إعطاء المؤلفة قلوبهم من نوع الجور والعطاء المحرم"."
قلت وأمثال هؤلاء كثير من طلبة العلم الشرعي وإن كان يفهم خير إلا من خذل وثبط حتى الخوف والجبن"."
3 -والفريق الثالث الأمة الوسط وهم أهل دين محمد صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه على عامة الناس وخاصتهم إلى يوم القيامة وهو انفاق المال والمنافع للناس -وإن كانوا رؤساء- بحسب الحاجة إلى صلاح الأحوال ولإقامة الدين والدنيا التي يحتاج إليه الدين وعفته في نفسه فلا يأخذ ما لا يستحقه فيجمعون بين التقوى والإحسان"إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ" [النحل: الآية 128] . ولا تتم السياسة الدينية إلا بهذا ولا يصلح الدين والدنيا إلا بهذه الطريقة"."
وإذا ثبت من هذا البيان المختصر أن العمل السياسي من صميم هذا الدين وثبت لكم -أيها المجلس الأعلى للقضاء- أن المسلم الثابت على دينه لن يتخلى عنه وعن هذا الواجب مهما حاولت الطغمة العسكرية المتسلطة على الشعب وأجهزة الدولة والجيش نفسه في تصفية خصومها السياسيين بشتى الوسائل المعروفة لديكم وربما كنتم إحدى هذه الوسائل!!! فلننتقل إلى النقطة الأخرى وهي:
من غير شك أن النظرية السياسية الإسلامية لا يمكن أن تطبق إلا في ظل سلطة قوية مؤمنة تمام الإيمان بهذه النظرية النابعة من كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه الأئمة الهداة، فالسلطة ضرورية لترجمة هذه النظرية وبغير سلطة يبقى الإسلام مجرد مواعظ وشعائر وعبادات لا دخل لها في شؤون الحياة وهذا ما لا يقبله الإسلام ولا يقبله المسلمون الذين فقهوا حقيقة الدين. فالسلطان والقرآن توأمان فلا بد على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها السعي لقيام الحكم الإسلامي النظيف الذي يمثل الإسلام تمثيلًا صادقًا على نهج الراشدين القدوة المثالية في الحكم الإسلامي القائم على الشرعية، ومن هنا نص أهل العلم قديمًا وحديثًا على أن السعي إلى إقامة السلطة الشرعية