هذا منطق الجبابرة في كل وقت فالمصلح يسمونه مفسدًا، فهل يعقل أن يكون موسى عليه السلام جاء ليفسد في الأرض؟! اللهم لا وألف لا. إذن فهذه التهمة قديمة لا تنطلي إلا على المغفلين الذين لم يدرسوا القرآن الكريم ولم يدرسوا تاريخ الطغاة في كل عصر ومصر في مواجهة خصومهم السياسيين.
كل من نظم مسيرة ضخمة أو قام باحتجاج صارخ ضد السلطة قالوا إنه يهدد المصلحة العامة للبلاد ويعرض النظام العام للزعزعة ولا بد أن يقمع ويمنع وبلغت بهم التفاهة والحقارة والصغار إلى أن مجرد كتابة مقال في جريدة ما ينتقد السلطة أو يفتح المجال للرأي المخالف يعتبر مسًا خطيرًا بمصلحة البلاد!! فهل هشاشة النظام وصلت إلى حد أن مجرد مقال يخالفها يهدد الوحدة الوطنية ويُصنف صاحب المقال -المسكين- في صنف المجرمين وتصادر الجريدة ولا يطلق سراحها إلا إذا ركعت أمام أرجل هؤلاء الأنجاس الأرجاس الخونة عندها يقال لها لا بد أن تسلكي هذا الطريق وإلا!!! يا للعجب عندما يصبح مقال واحد يخالف هوى السلطة يهدد كيان الدولة ويضرب الوحدة الوطنية في الصميم!! فليقولوا لنا إذن ليست هناك دولة أصلًا، ولنسعى جميعًا لإيجادها بسواعدنا ودمائنا واختيارنا وليتنحوا عن الطريق مرة واحدة وليعطوا القوس باريها إن كانت فيهم بقية من رجولة!!.
لقد اعترف خبراء القانون الدستوري أن المصلحة العامة فكرة مرنة للغاية ومبهمة ولكن رغم ذلك قالوا أن ثمة عناصر ثلاثة فيها ثابتة لا يخلوا منها مجتمع وهي: 1 - العدالة الاجتماعية 2 - الاستقرار الاجتماعي 3 - التقدم الاجتماعي. وأن من يحاول الإخلال بواحد من هذه العناصر فهو الذي يعرض المجتمع لعدم الاستقرار سواء كان ذلك من الحاكم أو المحكوم وقالوا ينبغي التفريق بين حماية النظام العام للمجتمع وبين حماية السلطة حتى لا تستغل السلطة هذه الفكرة المرنة في تصفية خصومها السياسيين تحت غطاء احترام النظام العام أو المحافظة على المصلحة العامة، وقالوا لا بد من التفريق بين المصلحة العامة ومصالح الأشخاص إذ كثيرًا ما يُتذرع بالمصلحة العامة لتكميم الأفواه وإسكات المعارضة السياسية. وقالوا إن المس بقيم المجتمع ومقوماته يعتبر تعديًا على أمن الجماعة لأن أمن الجماعة يدخل فيه الحاكم والمحكوم، ومن هنا يمكن تحديد من هو الذي يهدد المصلحة العامة ويخل بالنظام العام.
قال أحمد جلال في حرية الرأي في الميدان السياسي ص295: