فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 227

والحقيقة أنه على الرغم من التنوع البالغ في الأسس الفلسفية والأوضاع الاقتصادية والمبادئ السياسية، التي تصبغ مُثل المجتمعات العليا وقيمها وأوضاعها صبغة خاصة، فإن هناك قيما وأوضاعًا مشتركة بين هذه المجتمعات كلها تعتبر المحافظة عليها داخلة في نطاق"النظام العام"ولهذا النطاق المشترك وجهان:

1 -فتكاد لا تتفاوت فيه المجتمعات أصلًا وهو توقي أوجه العنف والقوة والعدوان المادي، فالمحافظة على الأمن العام والسلام أو الاستقرار الاجتماعي والسكينة الاجتماعية داخل الجماعة أمر لا يمكن أن تختلف فيه أشد المجتمعات تباعدا من الناحية السياسية أو الاجتماعية.

2 -والدائرة الأخرى للنظام العام هي تلك التي تتصل بحماية السلطة في المجتمع وفي هذا المجال بالذات تتفاوت الفلسفات والنظم تفاوتًا بالغًا ومرد هذا التفاوت أن السلطة ليست مجرد قوة مادية صماء ومحايدة وإنما هي المعبرة عن فلسفة النظام كله والحامية لقيمه الأساسية، وللأوضاع السياسية والاجتماعية التي يرتفع بها الحكام إلى مصاف تلك القيم الأساسية، والواقع أنه يستحيل تجريد السلطة من مضمونها الاجتماعي والسياسي فهي ثمرة العلاقات الاجتماعية وهي في نفس الوقت أداتها المسخرة لحمايتها، ومن الطبيعي أن تتعصب السلطة لقيم معينة وأوضاع سياسية أو اجتماعية بذاتها ... ويبدو بهذا الوضوح في كثير من القيود التي تفرض على حرية الرأي السياسي في صورها المختلفة بحجة وقاية الأمن والنظام العام مع أنها في الحقيقة لحماية السلطة ليس إلا.

وقال في موطن آخر موضحًا أنه ينبغي منح الأمة حق محاسبة السلطة إذا مست هي بالنظام العام لأنه يمكن للسلطة أن تشكل خطرًا بتصرفاتها على النظام العام وتعرضها للزعزعة:"لما كان من المسلم به أن الدولة تتذرع بنظرية الظروف الاستثنائية"أو الصالح العام"عندما تتجاوز القانون أو حتى تطرحه جانبا حين يطرأ من الظروف ما يجعل من تطبيقه إخلالًا بالنظام العام أو إضرارًا بالمصلحة العامة فإن العدالة تقتضي أن يمنح الفرد نفس الحق هو أيضًا حين تحيد الحكومة عن جادة الصواب أو تتنكب طريقها إلى المصلحة العامة حتى ولو اضطر ذلك الفرد إلى إتيانه من الأقوال أو الأفعال ما يعد جريمة من جرائم القذف أو السب أو الإهانة أو التحريض شريطة أن يكون هدفه من ذلك المصلحة العامة لا شفاء ضغائن شخصية فحسب فضلًا عن توخي حسن النية كما أسلفنا وهذا ما استقرت عليه أحكام القضاء واجتهادات الفقهاء إذ لا محل --- حسن النية عند انتفاء المصلحة العامة من النقد". وإذا أردنا أن نقطع حجة الأنظمة عامة والعسكرية خاصة في استغلال مبدأ المحافظة على المصلحة العليا والنظام فلنحدد بوضوح المقصود منها حتى لا ينقلب القاضي في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت