فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 227

وقال ابن خلدون في المقدمة ص683:"الخليفة لا يتميز عن سائر المسلمين إلا من حيث كونه منفذًا للأحكام وحارسا للدين". ومن هنا عاب موسى جار الله في كتابه الوشيعة في نقد عقائد الشيعة ص3 الذين يصفون الحكومة الإسلامية بالثيوقراطية"لم تكن حكومة الإسلام أصلًا وأبدًا لا في عصر الرسالة ولا في عصر الخلافة الراشدة حكومة ثيوقراطية وإن توهم كثير من أهل العلم عربيون وغربيون أنها ثيوقراطية".

رابعًا: لا هيبة للدولة بغير شرعية

لقد أثبتت تجارب الحياة عبر القرون أن هيبة الدولة لا تتحقق على أرض الواقع بسياسة الحديد والنار ولا بفتح السجون والمحتشدات للخصوم السياسيين والدعاة العاملين ولا بالظلم والبغي في الأرض وإنما تنال بالعدل والإنصاف واحترام الرعية وإعطائها حقها كاملًا في اختيار من تريده حاكمًا عليها، أما سياسة العصا الغليظة ولغة الخشب والنفاق والتدجيل السياسي فهيهات هيهات أن تُنال بها هيبة الدولة التي تنادي بها الطغمة العسكرية في البلاد لأن العلاقة بين الراعي والرعية لا تقوم على الإكراه والتسلط وإنما تقوم على الثقة المتبادلة بين الراعي والرعية عن طواعية وحب ولذلك كان عمر بن الخطاب يخاطب الولاة فيقول:"اللهم إني لم أبعثهم ليأخذوا أموالهم ولا يضربوا أبشارهم. من ظلمه أميره فلا إمرة عليه دوني". ومما يروى في التاريخ الإسلامي أنه عندما تزاحم الناس على عبد الله بن المبارك المجاهد -الذي جمع بين العلم والعمل والجهاد- في الرقة اندهش هارون الرشيد لهذا المشهد وهذا الانجفال نحوه فقالت له زوجته"هذا هو الملك لا ملك هارون الرشيد الذي يجمع الناس عليه بالسوط والعصا والرغبة والرهبة".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى 28/ ص329:"وأما إذا كان غرضه العلو عليهم (أي من إقامة الحدود) وإقامة رياسته ليعظموه أو ليبذلوا له ما يريد من الأموال انعكس عليه مقصوده ويروى أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قبل أن يلي الخلافة كان نائبًا للوليد بن عبد الملك على مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد ساسهم سياسة صالحة فقدم الحجاج من العراق وقد سامهم سوء العذاب فسأل أهل المدينة عن عمر كيف هيبته فيكم؟ قالوا ما نستطيع أن ننظر إليه قال كيف محبتكم له؟ قالوا هو أحب إلينا من أهلنا قال فكيف أدبه فيكم؟ قالوا ما بين الثلاثة الأسواط إلى العشرة قال هذه هيبته وهذه محبته وهذا أدبه أمر من السماء". فإذا أرادت أي دولة الهيبة الحقيقية فعليها بالعدل واحترام الرعية وبغير هذا الأسلوب الرشيد فهيهات أن تستقر أحوال أمة ولو ساندتها دبابات العالم بأسره. بل إن دول الغرب أقرب إلى الاستقرار من الدول الإسلامية لسبب بسيط هو احترامها لشعوبها وإقامة العدل على الكبير والصغير ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوي 28/ص146:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت