إن الحكم العسكري لا يتوطد إلا بلفيف -مفروق أو مقرون- من المرتزقة الأسافل فهو لا يمكّن من مراكز القيادة والتوجيه والقرار إلا من كان على شاكلته ويؤسس شبكة رهيبة من المخابرات وينفق عليها الأموال الطائلة ثم يبثها في كل الأوساط الاجتماعية فتجد أطباء وهم مخابرات ومهندسين وإطارات يحملون شهادات عالية وكذا فئات إعلامية تمارس نفس المهمة وهي التي تقوم بالدفاع عن الطغمة العسكرية بأساليبها المعهودة وتقتل الأبرياء من الطرفين بأقلامها الهدامة كالذي يقتل بالسم في العسل، أو يخنق بخيط من حرير، ويقع الحسم في جهاز القضاء على يد أمثال هؤلاء ظاهرة قاضي مستقل وهو من المخابرات أو على صلة بها وهذا الأسلوب تلجأ إليه الأنظمة العسكرية باصطياد مجموعات من الشباب وهم على كراسي الدراسة في الجامعة وغيرها، ولذلك من السهولة عليها تغيير وجوه بوجوه إذا ما ثار الشعب على المسؤولين وتبقى دار لقمان على حالها، والأمر لا يحتاج إلى زيادة إيضاح فمن درس طبيعة الحكم العسكري والاستبدادي يعرف ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى 28/ 150:
"إن كثيرًا من أهل المنكر يحبون من يوافقهم على ما هم فيه ويبغضون من لا يوافقهم، وهذا ظاهر في الديانات الفاسدة من موالاة كل قوم لموافقيهم ومعاداتهم لمخالفيهم وكذلك في أمور الدنيا والشهوات كثيرًا ما يختارون ويؤثرون من يشاركهم إما للمعاونة على ذلك كما في المتغلبين من أهل الرياسات وقطاع الطريق ونحوهم وإما بالموافقة كما في المجتمعين على شرب الخمر فإنهم يختارون أن يشرب كل من حضر عندهم وإما لكراهتهم امتيازه عنهم بالخير وإما لئلا يكون له عليهم حجة وإما لخوفهم من معاقبته لهم بنفسه أو بمن يرفع ذلك إليهم ولئلا يكونوا تحت منته وخطره ونحو ذلك من الأسباب. قال الله تعالى:"وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ" [البقرة: الآية 109] وقال تعالى في المنافقين:"وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاء" [النساء الآية89] . وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: [ودت الزانية لو زنى النساء كلهن] والمشاركة قد يختارونها من نفس الفجور كالاشتراك في الشراب والكذب والاعتقاد الفاسد وقد يختارونها من النوع كالزاني الذي يود أن غيره يزني والسارق الذي يود أن غيره يسرق أيضًا لكن من غير العين التي زنى بها أو سرقها. وأما الداعي الثاني فقد يأمرون الشخص بمشاركتهم فيما هم عليه من المنكر فإن شاركهم وإلا عادوه وآذوه على وجه ينتهي إلى حد الإكراه أو لا ينتهي إلى حد الإكراه ثم إن هؤلاء الذين يختارون مشاركة الغير في قبيح فعلتهم أو يأمرونه بذلك ويستعينون به على ما يريدونه ومتى شاركهم وعاونهم وأطاعهم انتقصوه"