واستخفوا به وجعلوا ذلك حجة عليه في أمور أخرى وإن لم يشاركهم عادوه وآذوه وهذه حال غالب الظالمين القادرين"."
وقال في صفحة 260/ ج28:"لما غلب على أكثر الملوك قصد الدنيا دون الدين قدموا في ولايتهم من يعينهم على تلك المقاصد وكان من يطلب رئاسة نفسه يؤثر تقديم من يقيم رئاسته".
والأعجب أن كثيرًا من الناس ومن مختلف شرائح المجتمع تجدهم قبل أن يتولى أحد عندهم مكانه ينقدهم نقدًا لاذعًا لا مثيل له فإذا استدرجوه إلى حلبتهم وورطوه في القبائح والعظائم وأغدقوا عليه من المال وخاتلوه بالمكر والدهاء كأن يقولوا له إن الوطن في خطر ومحنة لا يصلح لهذا المنصب إلا أنت أو قالوا له إن الدين في خطر فلا يصلح لهذا المنصب إلا أنت فمن دخل معهم وانخدع بمكرهم ثم أدرك أن الأمر ليس كما صوروه له من أن البلاد والوطن في خطر وإنما هم في خطر صعب عليه الخروج من هذه الدائرة بعد أن غاص في الوحل إلى الأذقان وعندها قد يكون هذا أشد ضررًا على المجتمع.
قال شيخ الإسلام في الفتاوى 28/ 147 مصورًا لذلك أحسن تصوير كما هي عادته"والناس ثلاثة أقسام:"
1 -قوم لا يقومون إلا في أهواء نفوسهم فلا يرضون إلا بما يعطونه ولا يغضبون إلا لما يحرمونه، فإذا أُعطي أحدهم ما يشتهيه من الشهوات الحلال والحرام زال غضبه وحصل رضاه وصار الأمر الذي كان عنده منكرًا -ينهى عنه ويعاقب عليه ويذم صاحبه ويغضب عليه- مرضيًا عنده، وصار فاعلًا له وشريكًا فيه ومعاونًا عليه ومعاديًا لمن نهى عنه وينكر عليه وهذا غالب في بني آدم يرى الإنسان ويسمع من ذلك ما لا يحصيه وسببه أن الإنسان ظلوم جهول فلذلك لا يعدل بل ربما كان ظالمًا في الحالين يرى قومًا ينكرون على المتولى ظلمه لرعيته واعتدائه عليهم فيرضي أولئك المنكرين ببعض الشيء فينقلبون أعوانًا له وأحسن أحوالهم أن يسكتوا عن الإنكار عليه وكذلك تراهم ينكرون على من يشرب الخمر ويزني ويسمع الملاهي حتى يدخلوا أحدهم معهم في ذلك أو يرضوه ببعض ذلك فتراه قد صار عونًا لهم وهؤلاء قد يعودون بإنكارهم إلى أقبح من الحال التي كانوا عليه وقد يعودون إلى ما هو دون ذلك أو نظيره.
2 -وقوم يقومون ديانة صحيحة يكونون في ذلك مخلصين لله مصلحين فيما عملوه ويستقيم لهم ذلك حتى يصبروا على ما أوذوا، وهؤلاء هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهم من خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله.