في الخطبة التي ألقاها الخليفة الراشد الأول قرر حق الأمة في القوامة على الحاكم الذي ولته أمرها فهي تعاونه إذا أحسن وهي تقومه أي تحاسبه وترشده إذا ضل عن الطريق المستقيم، ولا تلتزم الأمة بطاعة الحاكم إلا إذا كان متبعًا ومنفذًا لما أمر الله به ورسوله، فالحاكم أو الخليفة ليس حاكمًا مطلقًا ولكنه مقيد بشريعة الإسلام. ولهذا قال الإمام مالك معلقًا على قول الصديق"فإذا أحسنت فأعينوني وإن زغت فقوموني"قوله: لا يكون أحد إمامًا أبدًا إلا على هذا الشرط قال تعالى"إِنَّ اللّهَ يَامُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا" [النساء: الآية58 - 59] .
قال البيضاوي في تفسير الآية"أمر الناس بطاعتهم بعد ما أمرهم بالعدل تنبيهًا على أن وجوب طاعتهم ما داموا على الحق".
قال الزمخشري في تفسير الآية"لما أمر الولاة بأداء الأمانات إلى أهلها وأن يحكموا بالعدل أمر الناس بأن يطيعوهم ويتنزلوا على قضاياهم".
قال الطبري في تفسيرها"إن الأمر بذلك فيما كان لله طاعة وللمسلمين مصلحة".
قال الإمام علي رضي الله عنه"حق الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا".
قال الرازي في تفسيرها"اعلم أنه تعالى لما أمر الرعاة والولاة بالعدل في الرعية أمر الرعية بطاعة الولاة فقال تعالى"أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ" [النساء: الآية59] . وهو يشير إلى الآية التي قبل هذه الآية وهي"إِنَّ اللّهَ يَامُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ"."
قال الحافظ في الفتح 13/ 112:"قال الطيبي أعاد الفعل في قوله"وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ"إشارة إلى استقلال الرسول بالطاعة ولم يعده في أولي الأمر إشارة إلى أنه يوجد فيهم من لا تجب طاعته ثم بيّن ذلك في قوله"فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ"كأنه قيل فإن لم يعملوا بالحق فلا تطيعوهم وردوا ما تخالفتم فيه إلى حكم الله ورسوله".