فهرس الكتاب
وسلام على شيخه الذي غذّى وربّى، وأجاب داعيَ العلم فيه ولبّى، وآثر في توجيهه خير الإسلام، فقلّد الإسلام منه صارمًا عضبًا، وفجّر منه للمسلمين معينًا عذبًا، فلئن ضايقته الأيامُ في حدود عمره فقد أبقت له منه الصيت العريض، والذكر المستفيض، ولئن سلبته الحلية الفانية فقد أَلْبستْه من مآثر حُلل التاريخ الضافية، ولئن أذاقتْه مرارة فقده فقد متّعته بقلوب أمّة كاملة، ولئن حرمته لذة ساعات معدودة فقد أسعدته به سعادةً غير محدودة.
وسلام على إخوان كانوا زينة ناديه، وبشاشةَ واديه، وكانوا عمَّار سامره، والطِّيبَ المتضوع (1) من مجامره، والجوارحَ الماضيةَ في تنفيذ أوامره.
وسلام على أعوان كانوا معه بناة الصرح، وحماة السرح، وكانوا سيوف الحق التي بها يصول، وألسنة الصدق التي بها يقول.
أبت لهم عزة الإسلام أن يضرعوا أو يذلّوا، وأبتْ لهم هداية القرآن أن يزيغوا عن منهاجه أو يضلّوا، تشابهت السبل على الناس فاتخذوا سبيل الله سبيلًا، وافترق الناس شيعًا فجعلوا محمدًا وحزبه قبيلًا.
ولقد أقول على عادة الشعراء _ وما أنا بشاعر _ لصاحبين من تصوير الخيال أو من تكييف الخَبال تُمثِّلهما الخواطر تمثيلَ صفاء، وتقيمهما في ذهني تمثالَ وفاء: بكِّرا صاحبي فالنجاح في التبكير (2) وما على طالب النّجْح بأسبابه من نكير، تنجحا لصاحبكما طِيةً (3) لا تبلغ إلاّ بشد الرحل وتقريب المطية، فقد خُتِمت _كما بُدئت_ الأطوار، بدولة الرحال والأكوار، فادفعا بالْمهريّة القُوْد (4)
(1) _ المتضوع: المنتشر، والمنبعث.
(2) _ هذا تضمين لبيت بشار بن برد، يقول فيه:
بكِّرا صَاحبيَّ قبل الهَجير
إنَّ ذاك النجاح في التبكير
(3) _ الطَّية: الحاجة والوطر.
(4) _ المهرية القود: هي الفرس الطويلة الظهر والعنق، والمهرية منسوبة إلى مَهَرة بن حيدان بطن من قضاعة، والقود الطوال، ومفردها قوداء وأقود، وهذا مضمن بيت المتنبي الذي يقول فيه:
ويُلِّمها خطة ويلمِّ قابلها
لمثلها خُلِق المهرية القود