فهرس الكتاب
وقال ابن كثير: =وكان يقوم بأحكامه بالمعدلة الحسنة، واتباع الشرع المطهر، ويعقد مجالس العدل، ويتولاها بنفسه، ويجتمع إليه في ذلك القاضي، والفقهاء، والمفتيون من سائر المذاهب.
ويجلس يوم الثلاثاء بالمسجد المعلق الذي بالكشك؛ ليصل إليه كل واحد من المسلمين وأهل الذمة حتى يساويهم+ (1) .
ج _ الغيرة الصادقة: لقد كان × ذا غيرة صادقة على دين الله، ومحارم المسلمين، فلقد تفتَّحت عيناه على أحوال المسلمين المتردية، وعلى هزائمهم المتلاحقة، وكان ذلك يؤلمه أشد الألم.
ومما يذكر في هذا الصدد أن نور الدين كان قليل الابتسام جدا، فلما وعظه إمامه بأن الابتسام من وصايا النبوة قال له نورالدين: لا تؤاخذني أيها الشيخ، كيف أبتسم وآلاف المسلمات سبايا عند كفار لا يتقون، ولا يرحمون؟ وكيف أبتسم والمسجد الأقصى يدنسه العدو؟! (2) .
د_ الهمة العالية: لقد كان × ذا همة عالية، ونفس كبيرة طماحة، فمع أنه نشأ وهو يرى ما حل بالمسلمين من ضعف وتفرق ومهانة _ إلاّ أن ذلك لم يفت من عضده، ولم يثن من عزمته، بل كان ذلك دافعًا له أن يسعى في رفع البلاء عن الأمة، وفي استعادة ما سلب منها من عز ومجد.
ولقد كانت أمنيته وهاجسه وشغله الشاغل _ فتحَ بيت المقدس، وتطهيره من رجس الصليب.
ومما يدل على علو همته، وكبر نفسه أنه عندما كان في حلب، وقت تسلط الصليبيين وسيطرتهم _ قام بعمل منبر عظيم، وبالغ في تحسينه وإتقانه، وقال: هذا عملناه؛ لينصب ببيت المقدس.
وكان الناس _ آنذاك يسخرون منه، ويستبعدون تحقيق أمنيته؛ إلاّ أنه لم يلتفت إلى ذلك، واستمر في إصلاح ذلك المنبر، وحاله تلك كحال نبي الله نوح _عليه السلام_ عندما كان يصنع الفلك، وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه.
ولقد أراد نور الدين من هذا الصنيع أن يبث الروح، وأن يبعث الهمم, وأن يبدد اليأس الذي خيم على كثير من القلوب.
(1) _ البداية والنهاية 12/ 299.
(2) _ انظر أبطال ومواقف ص 434.