فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 394

وقد بين لنا العيان أن الإنسان متى عكف على ملاذِّ الحياة، ولم يَصْحُ فؤاده عن اللهو بزخارفها ماتت عواطفه، ونسي، أوتناسى من أين تؤتى المكارم، والمروءة، ودخل مع الأنعام في حياتهم السافلة. ص 38

15_ وأما ما ثبت عن بعض السلف من نبذ الزينة، والإعراض عن العيش الناعم عند القدرة عليه، أو في حال وجوده _ فلا يريدونه قربة بنفسه، ولكن يبتغون به الوسيلة إلى رياضة النفس، وتدريبها على مخالفة الشهوات؛ لتستقر تحت طوع العقل بسهولة، وتتمكن من طرح أهوائها الزائغة بدون كلفة؛ فلو وثق الإنسان من نفسه بحسن الطاعة لم تكن في مجانبته للطيبات مزية ولا مؤاخذة. ص 39

16_ ولا ننسى أن كثيرًا من الشعراء قد طغى بهم الإبداع في المقال إلى أن نسقوا في مديح الخمر صفات الجمال، وضربوا للتنويه بشأنها الأمثال؛ فاستهووا لمعاقرتها عبيد الخيال، والشعراء يتبعهم الغاوون. ص 41

17_ فالإسلام _ وإن عني بتزكية الأرواح، وترقيتها في مراقي الفلاح _ لم يبخس الحواس حقها، وقضى لبانتها من الزينة، واللذة بالقسطاس المستقيم. ص 41

18_ وروي أن عبد الله بن أبي السمط أنشد بين يدي المأمون أبياتًا يمتدحه بها، فلما انتهى عند قوله:

أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلًا ... بالدين والناس بالدنيا مشاغيل

قال له المأمون: ما زدت على أن جعلتني عجوزًا في محراب، وبيدها سبحة!!

أعجزت أن تقول كما قال جرير في عمر بن عبد العزيز:

فلا هو في الدنيا مُضِيعٌ نصيبَه ... ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله

ص 41

19_ هذا الباعث _حب المال_ يقذفه الله في نفوس قوم؛ فيدعوهم إلى تسوية طرائق العمران، وتشييد أركانه، ويسلكه في قلوب آخرين فيترامى بهم إلى بث الفساد على وجه البسيطة، وإثارة غبار التوحش في أرجائها. ص 43

20_ حب المال هو الذي ينزع من فؤاد الرجلِ الرأفةَ، ويجعل مكانها القسوة والفظاظة، حتى إذا أظلم الأفق، واسودّ جناح الليل (1)

(1) _ هذا تضمين من المؤلف × لقول عمر بن أبي ربيعة:

إذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكن

خطاك خفافًا إن حراسنا أسدا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت