وهاته الإرادة هي التي تبعثه على أن يبدد فريقًا من ماله في حل عقال ألسنة؛ لتكسوه من نسج آدابها حلة المديح، أو يسد بها أفواهًا يخشى أن تصب عليه مرائر أحدوثتها علقمًا، قال أحدهم:
أصون عرضي بمالي لا أدنسه ... لا بارك الله بعد العرض بالمال
وقد تتقوى هذه الداعية فتبلغ به أن يخاطر بحياته، وينصب جنبه لسهام الرزايا عندما يرجم بشتيمة تلوث وجه كرامته، ويتجهم بها منظر حياته، يقول أبو الطيب المتنبي:
يهون علينا أن تصاب جسومنا ... وتسلم أعراض لنا وعقول
ولا يتفاضل الناس في مراقي الشرف والمجادة، أو تتسفل هممهم إلى هاوية الرذالة إلا بمقدار ما تجد بينهم من التفاوت في عقد هذه الإرادة قوة وانحلالًا؛ فبقوة هذه الإرادة يتجلى لنا في مظاهر الإنسانية مطبوعًا على أجمل صورة من الكمال، وبسبب ضعفها تنزل به شهواته من سماء الإنسانية إلى أن يكون حيوانًا مهملًا. ص 53
26_ لا يحق للطاعن أن يتخطى المصائب التي يجهر بها صاحبها إلى النقائص التي يحرزها بغطاء الستر والكتمان. ص 54
27_ في قوله _ تعالى _: [وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ] الحجرات: 12.
وفي هذا التشبيه إشارة إلى أن عرض الإنسان كَدَمِهِ ولحمه، وهو من باب القياس الظاهر؛ لأن عرض المرء أشرف من بدنه؛ فإذا قبح من العاقل أكل لحوم الناس لم يحسن منه قرض أعراضهم بالطريق الأولى؛ فالمذام التي تلتصق بالشخص خُفْيَةً لا يسوغ لآخر تَكَشَّف عليها أن يحرك بها لسانه، ويتمضمض بإذاعتها في المجامع إلا في مواضع يدور حكم الاستباحة فيها على درء مفسدة تنشأ عن عدم التعريف بها. 54