فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 394

بل إن أشهر ما عُرِف به الشيخُ رحابة صدره مع منتقدي فتاويه، ومخالفيه في الرأي؛ فهو لا يغلظ لهم القول، ولا ينقدهم النقد اللاذع، بل يُلَمِّح باحترام وتقدير ولطف دون أن يتعدى دائرة النطاق العلمي النزيه.

وما عَرف لسانُه ولا قلمه نابيَ الكلام؛ فإذا احتاج إلى الرد على أحد _ عَلَت ردوده مسحة من الأدب الجم، واحترام آراء الآخرين، وترك الاستخفاف أو الاستنقاص للمخالفين كيفما كانت شخصياتهم، ومهما كانت آراؤهم.

ولذلك لم ينزل طيلة حياته إلى الإسفاف في القول كما هو الشأن في المناقشات التي ظهرت في عصره، والمعارك الأدبية والعلمية التي كانت يومئذ محط أنظار الناس (1) .

يقول فيه صديقه في الطلب الشيخ محمد الخضر حسين متحدثًا عن شيء من أخلاقه: =شب الأستاذ على ذكاء فائق، وألمعية وقادة، فلم يلبث أن ظهر نبوغه بين أهل العلم+ (2) .

ويقول فيه: =وللأستاذ فصاحة منطق، وبراعة بيان، ويضيف إلى غزارةِ العلمِ، وقوةِ النظرِ صفاءَ الذوقِ، وسعةَ الاطلاعِ في آداب اللغة.

وأذكر أنه كانَ يومًا في ناحية من جامع الزيتونة ومعه أديبان من خيرة أدبائنا، وكنتُ أقرأ درسًا في ناحية أخرى من الجامع، فبعث إليَّ بورقة بها هذان البيتان:

تألقتِ الآدابُ كالبدر في السَّحَرْ ... وقد لفظ البحران موجُهما الدرر

فما لي أرى منطيقها الآن غائبًا ... وفي مجمع البحرين لا يُفقد (الخضر) (3)

(1) _ انظر شيخ الجامع الأعظم ص 150، ومحمد الطاهر بن عاشور للطباع ص 81.

(2) _ تونس وجامع الزيتونة ص 125_126.

(3) _ انظر شيخ الجامع الأعظم ص 63، ومحمد الطاهر بن عاشور ص 82.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت