فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 295

استعمال أصحاب المعلقات لهذا الحرف لم تكن غريبة، فالجاهليون كلهم لم يستعملوا هذا الحرف إلاَّ (68) مرَّة، ولما كان مجموع أبيات هؤلاء الشعراء كلهم يبلغ (20034) بيتا، كانت نسبة استعمال هذا الحرف عند الجاهليين إلى مجموع أبياتهم تبلغ (0.33%) ثلاثة استعمالات في كل ألف بيت جاهلي، أو ثلاثة وثلاثين استعمالا في كل عشرة آلاف بيت من أشعار الجاهلين.

ومن الغرابة بمكان أن نرى استعمال هذا الحرف يبقى على حاله عند المخضرمين أيضًا، وعلى الرغم من إن القرآن الكريم توسع أكثر من خمسة أضعاف نسبة استعمال الجاهلين له، إنَّ الشعراء المخضرمين لم يتوسعوا في استعمال هذا الحرف، وكان مجموع استعمال المخضرمين كلهم لـ (لن) (117) مرَّة، ومجموع أبيات هؤلاء (35128) بيتا، ومعنى ذالك أنَّا نجد أن نسبة استعمال الحرف إلى مجموع الأبيات تكون (0.33%) وهي نسبة تطابق نسبة استعمال الجاهليين تماما. ولعل هذا من أسرار العربية أن يتساوى استعمال الحرف ضمن مجموعتين كبيرتين جدا من الشعر في مرحلتين مختلفتين، شهدت نهايات الأولى منهما نزول القرآن الكريم الذي كان بركانا فجَّر طاقات اللغة العربية الإبداعية.

إن موازنة استعمال (لن) عند الشعراء باستعمال (لم) عندهم - الذي بلغ (5.9%) تسعا وخمسين مرَّة في كل ألف بيت - تُبَيِنُ لنا أنَّ استعمال (لم) يَزيدُ على استعمال (لن) بعشرين ضعفا، وهذا شيء غريب.

لكن الحال في القرآن الكريم مختلف، فقد استعملت (لن) في القرآن (106) مئة وست مرات [1] ، لتكون نسبة استعمالها إلى مجموع آيات القرآن المجيد (1.6%) أي ستة عشر استعمالا في كل ألف آية. وإذا أردنا قياسها باستعمال (لم) القرآني فقد كانت نسبة استعمال (لم) في القرآن المجيد (5.4%) أربعة وخمسين استعمالا في كل ألف آية، أي إن استعمال (لم) يفوق استعمال (لن) بثلاثة أضعاف.

وسأحاول أن أتبين طبيعة الاستعمال الشعري والاستعمال القرآني لعلي أجد سببا لقلَّة الاستعمال عند الشعراء عموما. لقد كان استعمال الشعراء لهذا الحرف يسيرا جدا لا يعدو كونه حرف نفي يدخل على المضارع فينصبه، ويخلِّص دلالته على المستقبل. ومن استعمالاتهم قول عنترة [2] :

(الطويل)

أَيا عِزِّنا لا عِزَّ في الناسِ مِثلُهُ ... عَلى عَهدِ ذي القَرنَينِ لَن يَتَهَدَّما

ومنها قول زهير [3] :

(الوافر)

فَقُلنا يالَ أَشجَعَ لَن تَفوتوا ... بِنَهبِكُمُ وَمِرجَلُنا يَفورُ

ومنها قول لبيد [4] :

(الطويل)

فَإِن تَقبَلوا المَعروفَ نَصبِر لِحَقِّكُم ... وَلَن يَعدَمَ المَعروفُ خُفًّا وَمَنسِما

(1) - ظ: برنامج (نور جامع الأحاديث) ، معجم الأدوات والضمائر: 517 - 519.

(2) - ديوان عنترة (فوزي عطوي) : 175، أشعار عنترة العبسي: 223.

(3) - شرح ديوان زهير: 338.

(4) - شرح ديوان لبيد: 286.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت