لقد وعى علماء العربية والمفسرون الأوائل أن القرآن والشعر الجاهلي يشتركان في سمة معينة هي اللغة الفنية العالية الجودة، وأنهما من الفصيح المشترك، وتمثل هذا الوعي في دعوة ابن عباس ( ...(ت 68 هـ) لتفسير القرآن الكريم بالشعر، فقد أُثر عنه قوله: (( إذا تعاجم شيءٌ من القرآن فانظروا في الشعر، فإن الشعر عربيٌ. ) ) [1] وقوله: (( إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب. ) ) [2] ولقد أثارت دعوة ابن عباس هذه حركةً نشيطةً بين العلماء بهدف جمع ما يعينهم على فهم القرآن وتفسيره من الشعر، وما فعلُ أبي عبيدة (ت 209 هـ) في كتابه (مجاز القرآن) إلاَّ صدى هذه الدعوة، ليثبت أن القرآن جار على أساليب العرب في كلامهم، وإنه من سنخ ما يعرفون [3] .
وهذا السبب نفسه كان وراء اختياري لموضوع الرسالة التي تسعى إلى استكشاف التطور الذي أحدثه القرآن في اللغة العربية الفصحى وفي جزئية من جزئياتها، ولقد حاولت أن أوازن بين لغة القرآن الكريم، ولغة الشعر الجاهلي الفصيح، المتمثل في دواوين شعراء أصحاب المعلقات السبع، فكلا النصين لغة فصيحة، وكلاهما لغة أدبية بليغة، وقد جمعهما عصر واحد.
يقال نَابَ عني فلانٌ يَنُوبُ نَوْبًا ومَنابًا أَي قام مقامي , يقال جاءت نَوبَتك و نِيَابَتك, وهم يَتَنَاوَبُونَ النَّوبَة فيما بينهم في الماء وغيره , وكذلك يقال للقوم في السَّفَر: يَتَناوبونَ، ويَتَنازَلُونَ، ويَتَطاعَمُون، أَي يأْكلون عند هذا نُزْلةً، وعند هذا نُزْلةً، والنُّزْلةُ: الطعامُ يَصْنَعه لهم حتى يشبعوا. وكذلك النَّوْبة، والتَّناوُبُ على كل واحدٍ منهم نَوْبةٌ يَنُوبُها أَي طعامُ يومٍ، وجمعُ النَّوْبةِ نُوَبٌ [4] . فالنيابة هي القيام في أداء الفعل مقام الأخر, فالحرف يَنُوبُ عن الحرف إذا قام مقامه في تأدية معناه , ولما كان التناوب يدلّ على التشارك في إيقاع الفعل , فسيكون لهذا أحد معنيين:
(1) - جامع البيان عن تأويل القرآن:17\ 206.
(2) - الإتقان في علوم القرآن:1\ 119.
(3) - ينظر في شأن سبب تأليف الكتاب رواية: إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب:19\ 158 - 159.
(4) - ظ: العين مادة (ناب) : 8\ 26، تاج اللغة وصحاح العربية: (نوب) :1\ 228، لسان العرب: (نوب) :1\ 774 - 775، تاج العروس: 1\ 496.