قد تكون بمعنى (إذ) [1] ، وذلك في نحو الآية الكريمة: {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (المائدة: من الآية 57) . وزعم بعضهم أن (إنْ) قد تكون بمعنى (لو) [2] ، في مثل قوله تعالى: {لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ} (الأنبياء:17) ، في حين نقل المفسرون أن (إنْ) في الآية الأولى شرطية، وفي الآية الثانية مخففة من الثقيلة، ونقل القرطبيُّ أقوال بعض أهل العربية أنها قد تكون بمعنى (قد) أو (إذ) [3] ، ولكن هذه الآراء تمثل فهم عالم خاص به، له احترامه ورأيه الخاص، لكنها ليست معاني مطردة متفقًا عليها عند الجميع يؤديها الحرف من خلال السياق مع المعنى الرئيس، وهي تنتج عن فهم معين للنص التي وردت فيه؛ لذا نرى العلماء الآخرين قد أجابوا عن هذه الأقوال ورجعوها إلى معنى (إنْ) الرئيس أو بعض أشهر معانيها الهامشية، بل صرح بعضهم بأن هذه الآراء ليست بصحيحة، وأنها لم تثبت في اللغة [4] ، وأنا إذ أنقلها هنا لا لأثبت صحتها أو أدحضها بقدر ما أريد القول: إن السياق التي وردت فيه (إنْ) في هذه النصوص كان له تأثيره في توجيه المعنى في ذهن بعض المتلقين وجهة خاصة، وقد يساعد على ذلك بعض القرائن المصاحبة للنص، وتبقى (إنْ) تدور بين ثلاثة أنواع: الشرطية والمخففة والنافية.
إن لبعض الكلمات المستعملة في اللغة البشرية عموما قدرة للتعبير عن مدلولات متعددة وإن مقدرة الكلمات على أداء وظيفتها لا تتأثر بحال من الأحوال بعدد المعاني المختلفة التي قُدِّر لها أن تحملها، إذ إن بعض الكلمات تستطيع أن تقوم بعشرات الوظائف بسهولة ويسر، ولا تتمكن هذه الكلمات من فعل ذلك إلاَّ إذا كانت داخل سياق النص الذي يحدد مسارات المعاني الخاصة لهذه الكلمات بما يدفع عنها الغموض ويجعلها قادرة على إيصال الأفكار البشرية من خلال عملية التخاطب اللغوي [5] ، وفي هذا الحال فإننا لا نتمكن خارج السياق من تحديد (إن) أهي شرطية أم نافية أم مخففة من الثقيلة؟ ففضلا عن أهمية السياق في تحديد المعاني الهامشية التي قد يحملها الحرف والكلمة عموما، فللسياق الفضل الأكبر في تحديد كون الكلمة من المشترك اللفظي أو لا، وتشخيص دلالتها الدقيقة.
وهذا الحرف من المشترك اللفظي أيضًا، فـ (أنْ) المفتوحة الهمزة الخفيفة، شكل يضم تحته أكثر من نوع من الحروف، فعندنا:
1. (أنْ) المصدرية، إذ تكون (أنْ) موصولًا حرفيًا، تؤول هي والفعل الذي تدخل عليه بمصدر، ومعناها بصلتها، والفعل بعدها صلة لها، وهي ثنائية في أصل الوضع [6] . وتدخل على الفعل المتصرف، فإن كان الفعل مضارعا كانت ناصبة له بشروط وضوابط
(1) - ظ: رصف المباني: 110، الجنى الداني: 232، مغني اللبيب: 39.
(2) - ظ: معاني الحروف: 77.
(3) - ظ: الكشاف: 4\ 243، مفاتيح الغيب: 31\ 132، الجامع لأحكام القرآن: 13\ 115، 20\ 20.
(4) - ظ: اللباب في علل البناء والإعراب: 2\ 52، رصف المباني: 110، الجنى الداني:233 - 234، مغني اللبيب: 39.
(5) - ظ: دور الكلمة في اللغة: 131.
(6) - ظ: حروف المعاني:58، معاني الحروف:71، التفاحة في النحو:19،المخصص:14\ 55، الحلل في إصلاح الخلل:372، البيان في شرح اللمع:371،المقرب:1\ 260، شرح ألفية ابن مالك:262، رصف المباني:112، الجنى الداني:235، جواهر الأدب:106.