ملاحظة عليه فهو يوصلني إلى نتيجة مهمة هي ما أريدها هنا، تلك هي أن النداء والتنبيه حقيقةٌ واحدةٌ، ولا معنى للفصل بينهما لا من حيث الشكل ولا من حيث المعنى. أما من حيث المعنى فقد بينته، وأما من حيث الشكل، فإن النحاة قد اعترضوا على من قال إن (يا) في المواضع الخمسة التي ذكروها للتنبيه وليست للنداء؛ لأن قولهم إنها للنداء يقتضي أن تكون الجملة كلها محذوفة وهذا فيه إجحاف، أقول: هذا مرتكز على تصورهم أن (يا) نائبة مناب الفعل الذي ينبغي أن يكون هو العامل في هذه الجملة، أما على تصور سيبويه وبعض النحويين المحدثين فـ (يا) ليست نائبة بل هي المحرِّكُ في جملة النداء، وهي العامل فيها في الاسم، فإذا حذف الاسم بعدها (المنادى) فذلك لضرورات بيانية يقتضيها المقام، لكن النداء يبقى قائما. بناءً على ما تقدم أرى أن يُقَالَ في حق (يا) إنها حرفٌ موضوعٌ للنداء العام، ليشمل ذلك أنواع النداء كلها القريب والبعيد والمتوسط، ويشمل أيضا النداء المجازي والندبة والاستغاثة، وغيرها.
أولا: (أَلاَ)
(ألا) حرف ثلاثي يُستَفتَحُ به الكلام للتنبيه والتحقيق، وعلامتها صحة الكلام بغيرها، وهي تدخل على الجملة، اسمية كانت أو فعلية، ولا تدخل على المفرد [1] ، نحو قوله تعالى: {أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} (الأنعام من الآية:62) ، وقوله - عز وجل: {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} (هود من الآية:5) . ومنها قول امرئ القيس [2] :
(الطويل)
أَلا رُبَّ يَومٍ لَكَ مِنهُنَّ صالِحٌ ... وَلا سِيَّما يَومٌ بِدارَةِ جُلجُل
واختُلِفَ في (ألا) الاستفتاحية هل هي بسيطة أو مركبة، يبدو أن ابن فارس كان يرى أنها اجتماع حرفين مع بقاء معنى كل حرف محفوظًا ومستقلا، فيقول: (( وَقَدْ قيل: إن(الهمزة) للتنبيه و (لا) نفيٌ لدعوى فِي قوله جلّ ثناؤه: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ} (البقرة من الآيتين:11 - 12) ، فالهمزة تنبيهٌ لمخاطب و (لا) نفي للإصلاح عنهم. وَفِي كلام العرب كلمة أخرى تُشبهها لَمْ تجيء فِي القرآن وهي (أمَا) ، وهي كلمة تحقيق إذا قلت (أمَا إنّه قائمٌ) ، فمعناه (حقًا إنّه قائمٌ) . )) [3] . التنبيه هنا راجع إلى الهمزة فقط، والتحقيق متأتٍ من نفي دعوى الإصلاح التي ادَّعاها المنافقون، وبهذا تكون (ألا) حرفين مجتمعين في كلمة واحدة.
(1) - ظ: حروف المعاني:11، معاني الحروف:113، الصاحبي في فقه اللغة: 133، شرح المفصل: 8\ 113، شرح الرضي على الكافية: 4\ 421، رصف المباني:78، الجنى الداني:370، مغني اللبيب:95، جواهر الأدب 198.
(2) - ديوان امرئ القيس: 10.
(3) - الصاحبي في فقه اللغة: 133.