فهرس الكتاب

الصفحة 247 من 295

وأحصيت خمسة موارد كانت (أنْ) قد دخلت على (لا والفعل المضارع) [1] ، وفي هذه المواضع كانت (أنْ) تقبل التفسير على أقوال مختلفة - وقد أسقطتها من حساب التفسيرية والمخففة وبقيت في حساب المصدرية - ففي قوله تعالى: {أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} (هود: من الآية 26) ، يقول العكبريُّ: (( {أن لا تعبدوا} في(أنْ) ثلاثة أوجه: أحدها [2] هي مخففة من الثقيلة، والثاني أنها الناصبة للفعل، وعلى الوجهين موضعها رفع تقديره (هي أن لا تعبدوا) ، ويجوز أن يكون التقدير (بأن لا تعبدوا) ، فيكون موضعها جرا أو نصبا على ما حكينا من الخلاف. والوجه الثالث أن تكون (أنْ) بمعنى أي، فلا يكون لها موضع. )) [3] ، ونقل هذه المسألة ابن هشام في المغني [4] . أقول على المفسِّر للقران أن يكون على قدر كبير من فهم مقتضيات السياق، وما يفرضه في تقرير معنى معين لكل آية من آيات الكتاب العزيز، وإذا كان التقدير النحوي يجيز للمفسر هذه الأوجه الإعرابية، فلابدَّ أن يكون السياق يحتم أحدها دون غيره وهذا ما يجب أن يحذقه المفسرون.

ولقد أشار الرضي إلى أن ما بعد (أن) المفسرة، ليس من صلة ما قبلها، إذ يتم الكلام دونه، ولا يحتاج إليه إلا من جهة تفسير المبهم المقدر فيه، ففي قوله تعالى: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (يونس: من الآية 10) ، لا تكون (أنْ) فيه مفسرة؛ لأن قوله تعالى: {أن الحمد لله رب العالمين} خبر المبتدأ المتقدم [5] .

في دواوين أصحاب المعلقات لم أجد منهم من استعمل هذا المعنى، ولم أستطع أن أرصد (أنْ) التفسيرية في أشعارهم، وأعتقد أنَّهم لم يعرفوا هذا المعنى لهذا الحرف، ومما يؤيد اعتقادي هذا أن أصحاب كتب حروف المعاني لم يستشهدوا ببيت واحد لا لجاهلي ولا لإسلامي عند ذكرهم لهذا النوع من استعمالات (أنْ) . وهذا يجعلنا نضيف إلى قائمة المعاني التي ابتكرها الاستعمال القرآني للحروف معنى جديدا هو استعمال (أنْ) التفسيرية. وهذا يؤيد الفرضية التي ذُكرت في مستهل الفصل، ويؤكد أن السياق القرآني المؤثر الرئيس في تطوير معاني الحروف.

يأتي الإضرَاب للإبطال في المرتبة الثانية بعد الغرض الأول وهو الإضراب للانتقال، وقد استطعت أن أُحصي من الموارد التي جاء فيها الإضرَاب للإبطال (31) واحدا وثلاثين موردا [6] ، ليمثل نسبة (24.4%) أي قرابة الربع من مجموع استعمالها القرآني، وكان استعمال الإضراب للإبطال يأتي في سياق الحكاية في تلك الموارد كلها، وهذا ما أشار إليه من قبلُ أبو حيان في قوله: (( {بل} للإضراب والانتقال من شيء إلى شيء، من غير إبطال لما سبق، وهكذا يجيء في كتاب الله تعالى إذا كان ما بعدها من إخبار الله تعالى، لا على سبيل

(1) - ظ: هود: 26، الإسراء: 23، فصلت 30، الأحقاف:21، الرحمن:8.

(2) - هكذا وردت والأصح أن يقال: الأوَّل.

(3) - التبيان في إعراب القرآن: 2\ 34.

(4) - مغني اللبيب: 50.

(5) - شرح الرضي على الكافية:4\ 439.

(6) - البقرة:88، 116، 135، 259، النساء: 155، المائدة:64، يوسف:18، 83، الحجر:63، النحل:101، طه:66، الأنبياء:26، 63، المؤمنون:70، السجدة:3، سبأ: 8، 27، 32، 33، فاطر:40، يس:19، الصافات:29، 37، ص:60، الزمر:49، الأحقاف: 24، الفتح: 11، 12، 15، 15، القمر: 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت