أكثر من غيره في هذا الحرف، لكن لن نتسرع بالحكم هنا بل سنرقب استعمالها في الحروف الأخرى لتكون الصورة أكمل، فلنا إليها عودة في المبحث الثاني.
(ها) حرفُ تَنْبِيهٍ، ويأتي مطردا في أربعة مواضع [1] :
1 -مع أسماء الإشارة وهي (ذا، وذي، وذه، وذان، وذين، وتان، وتين، وأولاء، وهنا) [2] ، ولا تلزم معه إلاَّ إذا أريد القرب والحضور، ومنه قوله تعالى: {هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} (آل عمران: من الآية 51) ، وربما جاءت مع اسم الإشارة المقرون بالكاف، ومنه قول طرفة [3] :
(الطويل)
رَأَيتُ بَني غَبراءَ لا يُنكِرونَني ... وَلا أَهلُ هَذاكَ الطِرافِ المُمَدَّد
قيل ولا يقاس عليه، ولا تأتي مع المقرون بالكاف واللام، فلا يقال (هذالك) ؛ لكثرة الزوائد [4] .
2 -مع (أيّ) في النداء، للتوصل بها إلى نداء ما فيه الألف واللام، وقيل (ها) لازمة هنا؛ لأنها كالصلة لـ (أيّ) بسبب ما فاتها من الإضافة التي تشترط فيها، ولهذا السبب يقال في إعراب (ها) صلة وتنبيه. ومنها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُم} (البقرة: من الآية 21) .
3 -مع ضمير الرفع المنفصل إذا كان مبتدأ مخبرا عنه باسم الإشارة، كقولهم (ها أنا ذا) ، ومنه قوله تعالى: {هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ} (آل عمران: من الآية 119) ، وقيل في هذا النوع: التي كانت داخلة على اسم الإشارة، فقدمت [5] ، وردَّ عليهم بأنها قد تدخل على الداخلة على اسم الإشارة، كما في قوله - عز وجل: {هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ} (آل عمران: من الآية 66) ، وأجاب ابن هشام عن هذا بأنها أعيدت ثانية للتوكيد [6] . ذكر المراديُّ: أنه يقال: (ها أنا ذا) ، و (ها أنا هذا) ، و (أنا هذا) ، وأكثر هذه الأقوال استعمالا الأول ثم الثاني ثم الثالث [7] . في حين قال الفراء: (( العرب إذا جاءت إلى اسم مُكنَّى قد وُصِفَ بـ(هذا وهذان وهؤلاء) فرَّقوا بين (ها) و (ذا) وجعلوا المُكنَّى بينهما، وذلك في جهة التقريب لا في غيرها، فيقولون: (أين أنت؟) فيقول القائل: (ها أنا ذا) ، ولا يكادون يقولون (هذا أنا) . وكذلك في التثنية والجمع. )) [8] .
4 -مع اسم الله تعالى في القسم، عند حذف الحرف خاصَّة، كقولهم: (ها الله لأفْعَلَنْ) ، وعلى الرغم من ادعاء النحاة اطراد هذا النوع، إني لم أعثر له على شاهد واحد في
(1) - ظ: حروف المعاني: 73، شرح المفصل: 8\ 113 - 116، شرح الرضي على الكافية: 4\:، رصف المباني: 404، الجنى الداني: 342، مغني اللبيب: 455، لسان العرب: مادة (ها) : 15\ 475،480.
(2) - ظ: شرح قطر الندى: 98 - 100، شرح ابن عقيل: 1\ 130 - 136.
(3) - ديوان طرفة بن العبد: 27، ديوان طرفة (درية الخطيب) :45.
(4) - ينظر مع المصادر المذكورة في الهامش الثالث من هذا المبحث: التبيان في إعراب القرآن: 1\ 10.
(5) - ظ: معاني القرآن (الفراء) : 1\ 232، مجالس ثعلب: 1\ 34 - 44.
(6) - ط: مغني اللبيب: 456.
(7) - ظ: الجنى الداني: 343.
(8) - معاني القرآن: 1\ 232.