هؤلاء لا يشبه تفريط الآخر ولا علاقة له به، فالكافر في تفريطه نال الخلود في النار، والمسلم في تفريطه نال بعض العقاب، والمؤمن في تفريطه قلَّ ثوابه، ولم ينله عقاب أو نصب، وكان يمكنه أن يحصل على رتب أعلى من الثواب لو ثابر واجتهد في الدنيا أكثر، وقد كان يستطيع ذلك، فالنفس المؤمنة مفرطة في قلَّة الطاعة، ولم تفرط في ارتكاب المعصية [1] ، فهذا الاختلاف في المعنى وتعدده ما كان ليكون لولا تنكير النفس المنادية.
وكانت ظاهرة حذف المُنادَى من سمات لغة القرآن الكريم، ويمكن أن نعدَّه سمة بلاغية في النص القرآني الكريم. لقد تكررت المواضع التي حذف فيها المنادى، وقد أحصيت منها (27) سبعة وعشرين موضعا [2] ، وكان أغلبها لإظهار التحسر والندم، منها قوله تعالى: {قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} (الأنبياء:14) ، والمندى هنا ليس هو المقصود بل إظهار الندم وهول المصاب الذي صاروا إليه هو غاية الكلام، ومثل ذلك أيضًا قوله تعالى: {يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا} (الكهف: من الآية 42) .
إن هذا الاستعمال شكَّل في القرآن الكريم بُعدا دلاليا يخدم النص في إفادة المعاني الكثيرة بألفاظ قليلة، ويؤكد أثر القرآن الكبير في تطوير معاني الحروف.
جاءت (في) في القرآن وقد دخلت عليها (لام) التوكيد (29) [3] تسعا وعشرين مرَّة، نحو قوله تعالى: {وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ} (هود من الآية:62) أيْ: (( أنه لم يترجح في اعتقادهم صحة قوله [أي نبي الله صالح] وقوله [أي الله تعالى] : {مريب} يعني أنه ترجح في اعتقادهم فساد قوله [قول النبي] وهذا مبالغة في تزييف كلامه. ) ) [4] ، ومثلها أيضًا: {تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ} (الشعراء:97) ، كلُّ هذه المواضع التي دخل (اللام) فيها على (في) كانت في سياق التوكيد بحرفي التوكيد (إنَّ وأنَّ) مُثقَّلين أو مُخَفَّفين، ومعنى هذا أن تلك الآيات كانت تسعى إلى توكيد معنى (الاستقرار) المفهوم من (في) ، وما الظرف إلاَّ مكان الاستقرار.
في الآية الأولى كان الشكُّ مستقرًَّا في نفوسهم؛ لذا ختموا وصف دعوة نبيهم صالحًا - عليه السلام - بقولهم (مريب) ، فالريبة لم تكن في نهي صالح لعبادتهم تلك الأصنام، بل كانت الريبة عندهم من ادعائه النبوة، فهم في ريبة من هذا الادعاء، ومن ثم فهم لا يقبلون منه أيَّ كلام بعد نفي قبولهم لدعواه. وفي الآية الثانية كانت (في) في سياق التوكيد بـ (إن) المخففة من الثقيلة. وهي
(1) - ظ: مفاتيح الغيب: 27\ 463.
(2) - ظ: معجم الأدوات والضمائر في القران الكريم:664 مادة: ياحسرة، ياحسرتا، ياحسرتنا، ياليت، ياليتنا، يا ليتني، يا ليتها، ياويلتا، يا ويلتنا، ياويلنا.
(3) - البقرة:176، آل عمران:164، النساء:157، هود:62، 110، يوسف:8، 95، الرعد:5، إبراهيم:9، الحجر:72، الحج:53، الشعراء:97، 196، السجدة:10، سبأ: 7، يس:24، فصلت:45، الشورى:14، 18، الذاريات:8، القمر:24، الجمعة:2، الانفطار:13، المطففين:7، 18، 22، الأعلى: 18، العصر: 3.
(4) - مفاتيح الغيب: 18\ 367.