أدلَّة شعرية أو نثرية غير القرآن ليستدلوا بها على تلك المعاني لما توانوا عن رصدها وإلحاقها بالأدلَّة المذكورة. )) [1] ، لقد ساعدت هذه النظرةُ البحثَ في عرض فرضيَّته هذه.
وسأحاول في هذا الفصل أن أحدد بالأرقام وأشخِّصَ بدقة بعض مكامن التطور في الاستعمال القرآني للحرف، وليس من المعقول أن أدعي أني سأحيط بتلك المواضع كلها أو أحدد كل ما طوره القران في الاستعمال الحرفي، فهذا ما لا طاقة لي به، وأنا أقف عاجزا أمام كتاب الله أن أفقه كل ذلك، ولكن سأثبت ما استطعت رصده من المواضع التي كان للقرآن أثر بارز في تطويرها، مراعيا ما يحتمله المقام هنا من وجوب اللمح والإشارة بما لا يكون اقتضابا مخلا ولا إسهابا مملا. وسيكون ذلك في مبحثين: أولهما سيتناول ما كان مستعملا وطوره القرآن على نحو ما، والآخر سيخصص لما أنفرد به الاستعمال القرآني من معاني الحروف.
المبحث الأول:
ما طوَّرَه القرانُ من معاني الحروف.
أولا: (أم ْ)
بغية تَعرّف حجم استعمال (أم) في دواوين شعراء المعلقات والقرآن الكريم أحصيتُ هذه الأداة في كل من النصَّين فكانت النتائج الآتية:
في القرآن الكريم تكررت (أم) (137) مئة وسبعا وثلاثين مرَّة [2] ، ولما كان عدد آيات القرآن (6236) [3] آية تكون النسبة المئوية بين مجموع استعمالات (أم) إلى مجموع آيات
(1) - أثر القرآن والقراءات في النحو العربي: 206 - 208.
(2) - ظ: اعتمدت في جميع الإحصاءات القرآنية على ما أُحصيه بنفسي من خلال البرامج الكومبيوترية المتطورة والدقيقة جدا في إحصاء المفردات القرآنية وتصنيفها، أمثال برنامج (نور جامع الأحاديث) ، تبيَّن من خلال هذه الإحصاءات وجود أخطاء كثيرة في (معجم الأدوات والضمائر في القرآن الكريم) سأشير إلى بعضها في بعض الأماكن، وقد اشتبه عليهم هذا الحرف الآية رقم (13) من سورة هود، فأثبتوها: (11\ 35) ، والصحيح (11\ 13) ، ينظر: معجم الأدوات والضمائر في القرآن الكريم: 86.
(3) - مسألة ضبط عدد آيات القران الكريم فيها روايات عديدة والمسألة موضع نقاش بحسب ثبوت الأدلة عند العلماء، ولكنني اعتمد في هذا العدد على ما أحصيته بنفسي جامعا عدد آيات كل السور كما هو مثبت في المصحف العثماني على ما يوافق رواية حفص عن عاصم، وهذا العدد ما يرويه الكوفيون عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، وهو موافق لما ذكر عن مشايخ القراء الكوفيين، وأما سبب اختلافهم فهو كما نقله السيوطي عن بعضهم: أن النبي (كان يقف على رؤوس الآي للتوقيف، فإذا علم محلها وصل للتمام، فيحسب السامع حينئذ أنها ليست فاصلة، ينظر: بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز: 1\ 559، مناهل العرفان: 1\ 336.