فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 295

لم تكن الملحوظ الأول في النص أو في الدرجة نفسها مع ملحظ الترتيب، لذا قد يستغنى عنها تبعا لمتطلبات فهم النص وتعقب دلالته.

وحملوا عليه قول الشاعر [1] :

(المتقارب)

كهزَّ الرُّدَينيَّ تَحْتَ العَجَاجِ ... جَرى في الأنابِيبِ ثُمَّ اضطَرَبْ

فمتى ما هُزَّ الرُّدَينيُّ جرى الهزُّ في أنبوب الرمح فيعقبه الاضطراب. فهنا لا مهلة بين الهزِّ والاضطراب، وأنا أفسر الحالة هنا كما ذكرت قبل قليل من إن غاية منشئ النص الإشارة إلى ترتيب الأحداث، أكثر من أن تكون الإشارة إلى المهلة في وقوع تلك الأحداث، ويضيف هنا في هذا النص، أننا يجب أن لا نغفل ضغوط القالب الشعري الذي قد يدفع الشاعر إلى استعمالٍ معيَّن للغة. وهكذا تبقى الدلالة المركزية لـ (ثُمَّ) دلالتها على الترتيب بمهلة، ولا يمنع هذا من أن يضطرها السياق إلى التخليّ عن بعض معناها في نصوص معينة.

رابعا:(رُبَّ)

حَرفُ جَرٍّ على ما أثبته البصريون، واختلف في معناه بين دلالته على التقليل أو التكثير، فقيل معناه التقليل، وهو مذهب أكثر النحويين، وقيل إنها تفيد التكثير، وقيل هي للتقليل والتكثير فهي من الأضداد، وقيل أكثر ما تكون للتقليل، وقيل أكثر ما تكون للتكثير والتقليل نادر، وقيل هي للتكثير في موضع المباهاة والافتخار [2] ، هذه ستة أقوال ذكرت في معنى هذا الحرف لتبيَّن لنا الاضطراب بين العلماء وعدم وضوح معنى الحرف ولا استقراره، فإفادتها معنى التقليل ينقل أنه رأي أكثرية العلماء، وذكر السيوطيُّ أكثر من عشرين من أكابر النحويين يقولون به [3] ، لكن هذه الأوجه المتعددة التي نقلت عن بعضهم تجعلني أشكك في هذا القول، بل إن رأي الأكثرية هذا لم يكن عاصما من أن يجهر ابن هشام بخلافه قائلا: (( وليس معناه التقليل دائما، خلافا للأكثرين، ولا التكثير دائما خلافا لابن درستويه وجماعة، بل ترد للتكثير كثيرا وللتقليل قليلا. ) ) [4] ، وقد استطعت من خلال تتبع كلام بعض العلماء أن أرصد سببين لخلاف العلماء الكبير في معنى هذا الحرف هما:

· السبب الأول: اختلاف الجهة التي ينظر إليها في تحديد القلَّة والكثرة، أي اختلاف الزاوية التي ينظر بها القائلون بالقلَّة والقائلون بالكثرة، يتبيَّن هذا جليا من النظر إلى تقسيم المالقيّ وآخرين معنى التقليل على قسمين:

1.الأول يكون لتقليل الشيء في نفسه، نحو الشاعر [5] :

(الطويل)

ألا ربَّ مَولُودٍ وَلَيْسَ لَهُ أبٌ ... وَذِيْ وَلَدٍ لَمْ يَلدْهُ أبَوَانِ

وَذِي شَامَةٍ سَودَاءَ في حُرِّ وَجْهِهِ ... مُجَلَّلَةٍ لا تَنقَضِي لأِوَان

(1) - البيت لأبي دؤاد الإيادي أحد وصَّافي الخيل، ضمن قصيدة في ديوان حميد بن ثور الهلالي: 43، وينظر معه: شرح ألفية ابن مالك: 306، الجنى الداني: 406، مغني اللبيب: 160، وهي في الديوان بلفظ: (كهز الرُّدَينِّيِّ بين الأكف ... ) .

(2) - ظ: اللمع في العربية:150، حروف المعاني: 14، معاني الحروف 106، أسرا العربية: 237، اللباب في علل البناء والإعراب: 1\ 363، البيان في شرح اللمع:149، شرح جمل الزجاجي:1\ 500، رصف المباني: 188، لسان العرب: مادة (ربب) :1\ 408، الجنى الداني: 417، شرح المفصل: 8\ 26،، جواهر الأدب: 217.

(3) - ظ: همع الهوامع: 2\ 25.

(4) - مغني اللبيب: 180، وينظر معه: تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد: 147 - 148، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك: 3\ 51.

(5) - البيتان منسوبان لرجل من أزد السراة، ويروى أيضا (عجبت لمولود .. ) ينظر: الكتاب:2\ 266، الخصائص: 2\ 333، المقرَّب:1\ 199، شرح المفصل: 9\ 126، همع الهوامع:2\ 26، خُزَانَةُ الأَدَبِ: 2\ 381 - 382.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت