فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 295

المولود الذي ليس له أبٌ هو عيسى - عليه السلام -، أما ذو الولد الذي لم يلده أبوان فهو آدم - عليه السلام -، وذو الشامة فهو البدر، وهذه الثلاثة ليس لها نظير فهي قليلة الوجود في أنفسها. فتكون (رُبَّ) هنا لتثبيت قلَّة هذه الأشياء. ومنه أيضًا قول زهير [1] :

(الطويل)

وَأَبيَضَ فَيّاضٍ يَداهُ غَمامَةٌ ... عَلى مُعتَفيهِ ما تُغِبُّ فَواضِلُه

وهذا القول يخصُّ ممدوحه، وهو (حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري) وهو شخص واحد لا وجه للتكثير فيه، وليس هنالك جماعة كثيرة هذه صفتهم.

2.القسم الثاني: لتقليل النظير، وهي كثيرة الاستعمال، ومنها قول امرئ القيس [2] :

(الطويل)

فَإِن أُمسِ مَكروبًا فَيا رُبَّ بَهمَةٍ ... كَشَفتُ إِذا ما اِسوَدَّ وَجهُ جَبانِ

وَإِن أُمسِ مَكروبًا فَيا رُبَّ قَينَةٍ ... مُنَعَّمَةٍ أَعمَلتُها بِكِرانِ

وَإِن أُمسِ مَكروبًا فَيا رُبَّ غارَةٍ ... شَهِدتُ عَلى أَقَبَّ رَخوِ اللَبان

الشاعر يريد أن يمتدح نفسه ويفخر بفعاله التي هي نادرة وقليلة عند غيره، لكنها عنده كثيرة، وقد اعتاد هذه الأشياء، فكثير من الكرب المظلمة كَشَفَها، وكثير من القينات الناعمات كُنَّ له يلهو معهن، وله عددٌ من الغارات التي شهدها، وهو فارس على جواد مطيع له، وهذه الأعمال قلَّ مثلها لغيره، وقول النحويين: إن (رُبَّ) للتقليل يريدون به تقليل نظير الفعل عند غير المفتخر أو الممدوح، أما عنده هو نفسه فالفعل معتاد كثير الوقوع. إن القسم الثاني هو أكثر القسمين استعمالا لهذا الحرف [3] ، وعندها فمن نظر إلى كثرة وقوع الفعل من الممدوح قال إنها تأتي للتكثير، ومن نظر إلى قلَّة وقوع الفعل من الآخرين، وأنه نادر من غير الممدوح قال إنها تعني التقليل. فاختلاف زاوية النظر هذه يرجع إليها بعض اللبس والخلط في أقوال العلماء في معنى هذا الحرف.

لقد احتجَّ القائلون بأن (رُبَّ) حرف تقليل بأنه رأي الجمهور، وبأنها جاءت في مواضع لا تحتمل إلاَّ التقليل - مثلَ قولِ الأزديِّ وقول زهير المتقدمين - وجاءت في مواضع ظاهرها التكثير وهي محتملة لإرادة التقليل بضرب من التأويل، فتعيَّن أنها تكون حرف تقليل، والتقليلُ مطردٌ فيها، أما المواضع التي هي فيها للتكثير، وتصير للتقليل بشيء من التأويل، فهي مثل قول امرئ القيس المتقدم فهذه يقال فيها للتقليل والمراد تقليل النظير عند الآخرين ويقال فيها للتكثير ويراد بها التكثير عند الممدوح [4] .

-أما السبب الآخر: في تضارب أقوال العلماء في معنى هذا الحرف يرجع إلى أن أكثر العلماء لم يتنبهوا إلى تأثير السياق في تقرير معنى القلَّة والكثرة في معنى الحرف.

و قد يكون معنى الحرف المركزي معنى آخر لم يفطن بعضهم له، وهذا المعنى ذكره المراديُّ عندما عدد أقوال العلماء في معنى هذا الحرف قائلا: (( إنها [أي(رُبَّ) ] حرف إثبات لم توضع لتقليل ولا تكثير، بل ذلك مستفادٌ من السياق. )) [5] ، ولا أعلم حقيقة هل هذا القول

(1) - شرح ديوان زهير:139 - 140.

(2) - ديوان امرئ القيس: 86.

(3) - ظ: رصف المباني: 188 - 189.

(4) - ظ: الجنى الداني: 420 - 421.

(5) - الجنى الداني: 418.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت