فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 295

بعضها عن بعض في أداء معانيها فهذا ما لا اعتقده، ولكني أذهب إلى مدى أبعد من البصريين فلا أمنع البتة أن يكون للحرف الواحد أكثر من معنى أصيل، فقد يكون الحرف قد وضع من باب المشترك اللفظي لأكثر من معنى، مثل لفظة (عين) التي وضعت للحاسة الباصرة وللذهب ولمنبع الماء. وسنتبيَّن في فصول الدراسة حال كل حرف. أما القول بالتضمين فلا أرى دقة الأخذ به، بل لا استبعد بطلانه، والتزام الباحثين المحافظة على استعمال الحرف بمعناه المتعارف الواسع الانتشار يجعلهم يسعون وراء الأسرار والدوافع التي دعت المنشئ يَحِيدُ عن استعمال الحرف بالمعنى المتعارف والعدول عنه إلى معنى آخر، وبهذا ثراء للغة واستكشاف لطاقاتها الجمالية والإبداعية. وهذا ما سنحاول رصده في تتبع إشارات العلماء والبلاغيين واللغويين في مباحث هذه الدراسة.

المبحث الرابع: معنى(الكلمة)في ضوء النظرية السياقية.

أولًا: علم الدلالة من فروع علم اللغة العام.

علم الدلالة أو (semantics) ويطلق عليه أيضًا بعض الباحثين علم المعنى، له أكثر من تعريف، وقد تتفق تعريفات علم الدلالة على أنه علم لغوي حديث، يبحث في الدلالة اللغوية، ويلتزم فيها حدود النظام اللغوي والعلامات اللغوية، دون سواها، وأنَّ مجاله دراسة المعنى اللغوي على صعيد المفردات والتراكيب [1] ، ويقال فيه أيضًا أنَّه: العِلْمُ الذي يَدرسُ المعنى، أو فَرعٌ مِن عِلم اللغةِ يَتناولُ نظريةَ المعنى، أو ذلكَ الفرعُ الذي يدرسُ الشروطَ الواجبِ توافرها في الرَّمز حتى يكونَ قادرا على حملِ المعنى [2] ، ويُلمِحُ التعريفُ الأوَّلُ إلى أنَّ هذا العلمَ يدرسُ المعنى بصورةٍ عامةٍ من دون أن يتبنى نظريةً له، في حين التعريفُ الثاني يشيرُ إلى وجودِ نظريةٍ للمعنى، وهذا العلم يتناول هذه النظرية بأبعادها المختلفة، أما التعريف الثالث فيفترق عن الاثنين بأنه ينظر إلى الوحدة الدلالية بوصفها رمزا مشيرا، ويبحث في كيفية حمل هذا الرمز لمعناه، وفي التعريف الأخير سعةٌ قد لا نجدها في التعريفين الآخرين؛ إذ الرمز هذا الذي يحملُ المعنى أوسعُ من المفردات اللغوية، فهو يشمل أيضا العلامات المختلفةِ من خطوطٍ وإشاراتٍ باليد أو إيماءاتٍ وغيرها، فكل هذه رموزٌ تحملُ معنىً، وقد أشار قدما ابنُ جني إلى هذا قائلا: (( ربَّ إشارة أبلغ من عبارة. ) ) [3] ، وعلى الرغم من اهتمام علم الدلالة بدراسة الرموز المختلفة وأنظمتها المعقدة، إنه يركز على اللغة من بين كل تلك الأنظمة؛ لأنها أكثر الأنشطة الاجتماعية أثرا في حياة الفرد، وعُدَّ علم الدلالة (( غاية الدراسات الصوتية والفونولوجية والنحوية والقاموسية، إنه قمَّة هذه الدراسات. ) ) [4] ، وهذه الأهمية المعطاة له لأن موضوعه الأساسيّ المعنى، وبدون المعنى لا يمكن أن تكن هنالك لغة.

لقد تخطى علم الدلالة منذ وقت ليس بالقصير حاجز إثبات الوجود، ولا أريد هنا أن أعرض لتأريخ علم الدلالة الحديث وسرد الحقائق التاريخية لهذا العلم [5] ، إنه اليوم يحظى

(1) - ظ: التفكير الدلالي عند العرب، دراسة تأصيلية: عبد القادر سلامي (بحث إنترنيت) .

(2) - ظ: علم الدلالة: أحمد مختار: 11، علم الدلالة: بالمر: 8 - 11، النحو والدلالة: 32.

(3) - الخصائص: 1\ 80، وينظر معه الدرس الدلالي في خصائص ابن جني: 4.

(4) - علم اللغة: محمود السعران: 285.

(5) - للإطلاع على لمحة تاريخية عن علم الدلالة واشتقاق اسمه، ينظر: علم الدلالة: أحمد مختار: 17 - 29، علم الدلالة: بالمر: 3 - 5، 12 - 16، تطور البحث الدلالي: 17 - 29، التفكير الدلالي عند العرب دراسة تأصيلية (بحث إنترنيت) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت