بالاهتمام والدراسة في المعاهد العلمية المختلفة في شرقيّ الأرض وغربيّها، ويتعاقب على البحث فيه ودراسته علماء اللغة والفلسفة والاجتماع وعلماء النفس وغيرهم، كلٌّ منهم يبحثه من زاويته، وأضحى واضحا اليوم أنَّ الطبيعة الحقيقية للغة البشرية لا يمكن فهمها إلاَّ من خلال تَفَهُّم (المعنى) .
لم يكن الدرس الدلالي الحديث بالنسبة للعرب مبتكرا جديدا، فلقد حفل تراثنا العربي بأسس النظريات الدلالية الحديثة، وشارك علماء اللغة العرب والمسلمون في وضع ركائزه الضخمة، بما يعدُّ سبقا علميا وابتكارا فنيا أصيلا [1] ، ومع هذا فلا يمكننا نكران فضل التنظير المنهجي المعاصر لنظريات الدرس الدلالي الأوربي، فصياغة الأفكار في أطرٍ نظريةٍ مقننةٍ بقواعدَ علميةٍ يرجعُ فضله إلى التطور الذي نالَ مناهجَ دراسة علم اللغة العام ومنه الدرس الدلالي، ولا أريد هنا أن أتتبع مواطن التقاء الفكر الأوربي المعاصر بما أبدعه التراث العربي والإسلامي في هذا الدرس، فقد كُتِبَ في ذلك مؤلفاتُ عديدةٌ أنارت هذه النقطة من تأريخ المعرفة البشرية [2] ، وعلى العموم فإنَّ للغويين العرب القدماء جهودًا صبّت في مسارين كبيرين: (المعجم العربي) ، بقسميه اللفظي والمعنوي، و المخصص لابن سيده واحد من هذه المعاجم اللغوية التي عنيت بتصنيف الألفاظ حسب معانيها. والأمر الآخر (علم المعاني) [3] ، وسأشير ضمنا إلى بعض ما يتعلق بنظرية السياق وأثرها في توجيه معاني المفردات وإشارات بعض العلماء العرب والمسلمين إلى ما يتعلق بهذا الشأن.
يتميز الكلام البشري بعلاقات متشابكة تربط مكوناته الأساسية ولا يمكن فصل تلك المكونات أو حلَّ عرى العلاقات الرابطة بينها، وإذا ما أردنا فهم طبيعة هذا النسيج (الكلام البشري) فلا يمكننا فصل (علم الدلالة) عن بقيَّة فروع علم اللغة [4] ؛ إذ لتحديد معنى (حدث كلامي) معيَّن يجب على الباحث إجراء ملاحظات متعددة تحيط: بالمستويات المختلفة من صوتية وصرفية وتركيبيَّة ومعجمية، تلاحم شبكة العلاقات بين هذه المستويات المتعددة هي التي تكفل حلَّ رموز الرسالة الموجهة من المنشئ إلى المتلقي. ومن العقبات التي تقف أمام علم الدلالة أيضًا (( أن المعاني لا تبدو مستقرة، بل إنها تعتمد على المتكلمين والسامعين والسياق. ) ) [5] ، اعتماد المعاني على هذه العناصر الثلاثة يوجب على الباحثين مراعاتها وملاحظتها باستمرار عندما يحاولون تبيِّن معنى كلمة ما أو جملة ما، ولهذا السبب أيضًا أُفترض عموما أن بالإمكان تمييز النظام اللغوي، واستعمال المتكلمين والسامعين هذا النظام [6] .
لم يتفق علماء اللغة - تبعا لاختلاف مشاربهم الفكرية - على تعريف الوحدة الدلالية (semantic unit) فبين قائل: إنها (الوحدة الصغرى للمعنى) [7] ، وقال: إنها (النص) ، ومنهم من قال: (تجمُّعٌ من الملامح الدلالية) أو قال: إنها (أيُّ امتدادٍ من الكلام يعكسُ تباينا
(1) - ظ: تطور البحث الدلالي: 33.
(2) - كتب الدكتور محمد حسن الصغير (تطور البحث الدلالي، دراسة في النقد البلاغي والدلالي) وأصَّل فيه للبحث الدلالي عند العرب منذ زمن الخليل إلى السيوطي، مشيرا إلى أهم نقاط الالتقاء بالنظريات الدلالية المعاصرة، وكتب الدكتور أحمد سليمان ياقوت (الدرس الدلالي في خصائص ابن جني) وتتبع فيه إشارات ابن جني الدلالية في كتابة الخصائص مبينا تطابقا مع ما توصل إليه الدرس الدلالي الحديث، أما (نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني) فقد نالت رعاية كبرى، وكتب فيها عدد من أساتذة اللغة والأدب العرب، منهم الدكتور حاتم الضامن، وهي تتطابق مع النظرية السياقية الحديثة، وهنالك عشرات البحوث تتعلق بهذا الشأن يمكن الرجوع إليها، منها بحث للدكتور صاحب أبو جنا بعنوان: السياق في التفكير اللغوي عند العرب (مجلة الأقلام عدد 3 - 4\ 1992 م) ، وقسم غير قليل منها منشورٌ اليوم على الشبكة العالمية للمعلومات (الإنترنيت) منها بحث للدكتور عبد القادر سلامي بعنوان التفكير الدلالي عند العرب، دراسة تأصيلية.
(3) - ظ: التفكير الدلالي عند العرب، دراسة تأصيلية (بحث إنترنيت) .
(4) - ظ: علم الدلالة: أحمد مختار: 13 - 14.
(5) - ظ: علم الدلالة: بالمر: 10.
(6) - ظ: علم الدلالة: بالمر: 10.
(7) - ظ: دور الكلمة في اللغة:49.