مركزي لأي حرف آخر، بل لا يساوي أي معنى هامشي للحروف الأخرى. فله خصوصية منحها السياق إياه.
اختص هذا الحرف بالفعل المتصرف الخبري المثبت المجرد من الناصب والجازم وحرف التنفيس، وهو معه كالجزء فلا ينفصل عنه بشيء، أما معناه فجملة ما تناقله النحويون خمسة معان هي: (التَّوَقُّع والتقريب والتقليل والتكثير والتحقيق) ، لكنهم اختلفوا في تشخيص المعنى الرئيس لهذا الحرف فمنهم من قال التَّوَقُّع [1] ، ومنهم من قال التحقيق [2] ، ومنهم من قال التقريب [3] ، ومن خلال متابعتي المتأنية لما قيل في هذا الحرف وجدت كلام المالقيّ أدقَّ من غيره في تشخيص المعنى المركزي لهذا الحرف إذ يقول: (((قدْ) حرفُ إخبارٍ إلاَّ أنها أبدا تلزمُ الفعلَ ماضيا أو مضارعا، فتكون مع الماضي حرفَ تحقيقٍ، ... ، ومنه قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} (المجادلة من الآية:1) ، و {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} (الأحزاب من الآية: 21) ، وتكون مع المضارع حرفَ تَوَقُّعٍ تارةً وهو الكثير فيها، ... ، وتكون للتحقيق معه وهو قليلٌ، كقول الشاعر [وهو امرؤ القيس[4] ]:
(الطويل)
وَقَد أَغتَدي وَالطَّيرُ في وُكُناتِها ... بِمُنجَرِدٍ قَيدِ الأَوابِدِ هَيكَل
وقد تكون تقليلا وهو أيضًا قليلٌ، كقول الشاعر [5] :
(البسيط)
قَد أَترُكُ القِرنَ مُصفَرًّا أَنامِلُهُ ... كَأَنَّ أَثوابَهُ مُجَّت بِفِرصاد
والإخبار في جميع ذلك لا يخالفها، فهو الخاص بها الذي تبقى به. )) [6] ، وبعبارة أخرى هو معناها المركزي. فهذا الحرف وضع للإخبار، ومن ثم فهنالك معان هامشية يضفيها عليه السياق، فإن ورد مع الماضي أفاد التحقيق، وإن ورد مع المضارع فكثيرا ما يكون للتوقع، وقد يكون للتحقيق، وهنالك معنى آخر قد يشير إليه هذا الحرف هو التقليل.
إن معنى التحقيق، قد يكون من أشهر المعاني التي نسبت لـ (قد) ، وكلام المالقيّ الذي نقلته عنه آنفا يبيِّن أن (قد) حرف إخبار يأتي مع الماضي والمضارع، وله معنى هامشي فتكون مع الماضي حرفَ تحقيقٍ، وتفيد مع المضارع التَوَقُّعٍ تارةً والتحقيق تارة أخرى، ووافقه
(1) - ظ: معاني الحروف: 68، إعراب ثلاثين سورة من القرآن (لابن خالويه) : 61، 88، 102، شرح الرضي على الكافية: 4\ 444، الجنى الداني: 269، 273.
(2) - ظ: شرح الرضي على الكافية: 4\ 444.
(3) - ظ: شرح المفصل: 8\ 147.
(4) - ظ: ديوان امرئ القيس:19، شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات:82، شرح المعلقات السبع:112، خُزَانَةُ الأَدَبِ:3\ 156.
(5) - البيت لعبيد بن الأبرص (ت 25 ق. هـ) ظ: ديوان عبيد بن الأبرص:71،149، وينظر معه: الكتاب:4\ 224، ونسب فيه إلى أحد الهذليين وليس في ديوانهم، شرح المفصل: 8\ 147، المخصص: 14\ 55.
(6) - رصف المباني: 392 - 393.