فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 295

إن الحزين والمغيظ والنادم والمتأسف يَعضُّ أطرافَ أصابعه جزعًا، والكافرون كانوا قد تغيظوا من سماع نصح الأنبياء وتبرموا من دعوة المصلحين إياهم إلى طريق الرشاد، ويبدو أنهم بلغوا غاية الضجر والبرم والحنق على أولئك المرسلين، فلم يكفهم أن يَعضُّوا أناملهم كما هي عادة الضَّجِر والمُغاظ، بل جعلوا أيديهم كلها في أفواههم فكانت أفواههم ظرفا ومستقرا لأيديهم التي عضوا عليها بنواجذهم لما هم فيه، وفيه أيضًا تلميح لوَلَهِ الكافرين وحَيرَتهم، فلم يفطنوا إلى أنهم يَعضُّون أيديهم كلها لا أناملهم، إن حمل (في) في هذه الآية على معنى (إلى) قد يكون فيه تقليل من بلاغة الصورة الفنية التي ترسمها الآية الكريمة لحال الكافرين وشدة غضبهم وعنادهم عن الحق لما جاءهم ودعاهم الأنبياء إليه، ولقد صرَّح العكبريُّ ببقاء (في) على بابها دالة على الظرفية في هذه الآية [1] . وتأسيسا على هذا يمكن القول إن الفعل (ردَّ) يتعدى في لغة القرآن الكريم بـ (إلى) وبـ (في) ولكل موضع معناه المناسب، ولا يحق لمتتبع أن يبخس النص دلالته الفنية لتصحيح قاعدة نحوية، أو لفرض اطرادها من دون استقصاء الاستعمالات كلها.

هذه هي أبرز المعاني التي ذكرتها المصادر لـ (في) وهنالك معان أخر أعرض عنها خشية الإطالة، قائلا: إن المعنى المركزي لهذا الحرف هو الظرفية بما تدل عليه من استقرار الشيء فيها وكونها مستودعا له، ويمكن هذا الحرف أن يُحمَّلَ بعض الدلالات السياقية زيادة على معناه الأصلي، وذلك تبعا لمقدرة منشئ النص على ذلك، ومقدار امتلاكه لناصية اللغة.

إن المعنى الهامشي الذي يؤديه الحرف ليس هو معنى آخر منفصل للحرف نفسه، بل هو قدر مضاف من المعنى إلى المعنى الأصلي للحرف، فعندما أحمل (في) على معنى (من) أو معنى (مع) ، فإني لا أقصد أن أسلب معنى الظرفية من (في) ، وأمنحها معنى جديدا هو معنى (من) نفسه، فمعنى (من) المركزي لا يساوي معنى (في) الهامشي عندما تحمل معنى (من) . وقيام الحرف بمعنيين مختلفين هو الفهم الذي يتبادر إلى الذهن عندما يقول العلماء إنَّ (في) تكون بمعنى (من) أو بمعنى (مع) أو غيرهما من الحروف، وفي كلامهم هذا جمود للمعنى عندما نحاول أن نضع حرفا مكان آخر بمعنى المساواة الحقيقية، وهذا فيما أرى مأخذ كبير على نظرية التناوب يقود إلى تقيد المعنى وتجميده، ولا تسلم منه نظرية التضمين أيضًا، أما في فرضية المعنى المركزي والمعاني الهامشية فإننا نتخلص من هذا المأخذ بصورة أمينة تخدم النص وتطوره، إذ المعنى المركزي يبقى ملحوظا، هنا مع المعنى الهامشي بقدر تختلف قوَّته بحسب حاجة منشئ النص إلى إبرازه أو إخفائه، لكنه يبقى ملحوظا، وعندها فلا يتساوى هذا المعنى الهامشي مع المعنى المركزي لحرف آخر، فمعنى (الاستعلاء) الهامشي الذي أدته (في) في تلك الآية المتقدمة لا يجعلها مساوية للمعنى نفسه لو استبدل بها (على) في ذلك النص، وكذلك معنى (من) الهامشي الذي أدته في البيت الشعري لا يجعل معنى النص هو نفسه إذا ما استبدلنا (من) بـ (في) في ذلك النص، إذ المعنى المركزي وهو الظرفية ملحوظ مع المعنى الهامشي في كلا النصيين، ولو افترضنا جدلا أننا نبدل (في) بالحرفين الآخرين في هذين النصيين فإنا لا نحصل على المعنى المفهوم من النصين الآن.

وهكذا تمكننا فرضية المعنى المركزي والمعاني الهامشية من أن نجيب عن سؤال كبير أرى أنه كان يقف عقبة أمام نظرية التناوب ذلك هو ما الفائدة من تناوب الحروف؟ وما الذي يدفع منشئ النص إليه؟ ولم أستطع رصد جواب واضح ومقنع لهذا السؤال عند القائلين بالتناوب، ولم يتمكن القائلون بالتضمين أيضا من أن يجيبوا عن هذا السؤال بدقة، لكن فرضية المعنى المركزي تستطيع أن تضع جوابا دقيقا لاستعمال المتكلم لكل حرف، وإن كان يريد به معنى خاصا فهو لا يبتعد به عن معناه المركزي ولا يغادره البتة، وإن كان يستطيع أن يبتعد عنه إلى حدٍّ ما لكنه يبقى يلحظه بقدر معين. أي: إن المعنى الهامشي لا يساوي أيَّ معنى

(1) - التبيان في إعراب القرآن:2\ 66.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت