والغلبة لهم على الكافرين والمعاندين، فيصبح النبي ومن معه فوقهم، فالدلالة الهامشية للحرف تتمكن هنا من أن تضيف شيئا مكملا لمعنى النص، وبذا يحقق النص واحدة من مزايا البلاغة وهي إيصال أكبر قدر من المعنى بأقل قدر من الألفاظ.
إن القول بالمعنى الهامشي الذي يسمح به السياق يغنينا عن الحاجة إلى نظرية التضمين التي ينادي بها البصريون، وإني أستشعر قيودها الثقيلة على المعنى فهي تقلل من طاقة النص الإبداعية في توليد المعاني المستمرة، ففي هذا النص إذا قلنا بالتضمين كما قالوا فالمعنى عندها يسلب منه معنى الاستعلاء وما فيه من رفعة لشأن الأنبياء، ويصبح النص أقل حيوية مما لو قلنا: إن معنى الاستعلاء معنى مضاف إلى المعنى المركزي للحرف. ويبقى الحال في بقية المعاني التي نسبت لـ (من) مثل هذا يفهم بعض المفسرين أو اللغويين معنى معينا من الحرف تبعا لعوامل يمليها السياق القرآني وملابسات تفسير النص فيضفي على هذا الحرف معنى إضافيا مع معناه المركزي يستشعره قوم فيتذوقونه ويغفل عنه آخرون فيفوتهم.
اختصَّت (هل) بطلب التصديق الإيجابي، فهي حرف موضوع لهذا الغرض، دون التصور، ودون التصديق السلبي، نحو: (هل قام زيدٌ؟) و (هل زيدٌ قائمُ؟) ولمَّا كانت لا تختص بأحد القِبَيلين، الاسم والفعل، وتدخل على كل منهما، كانت من الحروف الهوامل [1] . وقد ذكرت لها المصادر مع هذا المعنى معاني أخر سيأتي بيانها.
إن الكلمات في اللغة قد وضعت ابتداءً لتدل كل واحدة منهن على معنى معين [2] ، فـ (هل) قد وضعت لتدلَّ على الاستفهام التصديقي الموجب، وصارت مختصَّة به، واستعملت في لغة الحياة اليومية بهذا المعنى، ولكنَّ المشكلة التي وقع فيها النحاة - والتي أشرت إليها في الفصل الأول [3] - أنَّهم في مرحلة تقعيد اللغة العربية، خلطوا بين مستويات الكلام، ولم يعتقدوا ضرورة التمييز بين مستوى اللغة البسيطة الصحيحة التي تستعمل في الحياة اليومية، والمستوى الفني للغة، وأبرز مصاديقه يوم ذاك الشعر الجاهلي، والقرآن الكريم، الذي نزل ليكون قمة الهرم في الصياغة الفنية البلاغية للغة العربية. لكن النحاة كانوا يعدَّون لغة الأعرابي في فِنَاء قبيلته مثل لغة الشعر في إحدى قصائد المعلقات، بل لا يختلف عن لغة القرآن الكريم، فكله عربي يصح لإثبات القواعد النحوية. وأنا لا أقول: إن كلام البدوي في قبيلته وبين أهله ليس عربيا، ولا أقول: إنه لا يصلح لتقننين قواعد اللغة، بل أقول: إننا يجب أن لا نخلط قواعد لغة القبائل بقواعد اللغة المشتركة في الأسواق العامة التي تفهمها القبائل كلها، ولا نخلطها بلغة القصائد التي تلقى في المواسم العامة، وهي تلقى بلغة العرب الفصيحة المشتركة التي أطلق عليها فيما بعد (لغة قريش) ، ويجب أيضًا أن لا نخلطها بلغة القرآن، ولا نضع قواعد هذه إلى جنب قواعد تلك، ونعدها كلها سواء. وكذلك يجب أن لا نخلط لغة القرآن، بما نقرره من قواعد تخص لغة التعامل اليومي، ولا نخلط لغة الشعر بقواعد لغة التعامل اليومي، بل إننا إذا أردنا الدقَّة العلمية يجب أن نتنبه إلى خصائص لغة القرآن الكريم وخصائص لغة الشعر الفصيح المشترك ونميِّز بين كل منهما، لنكون أكثر إنصافا للغتنا، وأكثر حفاظا على مقوماتها.
(1) - ظ: حروف المعاني: 2، معاني الحروف: 102،المخصص:14\ 55، رصف المباني: 406 - 407، الجنى الداني: 339 - 341، مغني اللبيب: 456 - 457، مختصر المعاني: 131 - 132، الأشباه والنظائر:2\ 268 - 269، في النحو العربي نقد وتوجيه: 266، التراكيب اللغوية في العربية:17، أساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين:361.
(2) - هذا إذا استثنينا (المشترك) ، وهي الموضوعة للدلالة على أكثر من معنى في وقت واحد مثل لفظ (عين) التي تدلّ على الحاسة الباصرة، والجاسوس، وعين الماء، والذهب.
(3) - ظ: الفصل الأول: 33 - 35.