فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 295

قال ابن الجوزيّ: (( {يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ} وفيه أربعة أقوال، أحدها [1] : من طرفٍ ذليلٍ، رواه العوفيُّ عن ابن عباس وبه قال مجاهد، وقال الأخفش: ينظرون من عين ضعيفة، وقال غيره من بمعنى الباء، والثاني: يسارقون النظر قاله قَتَادَةُ والسديُّ والثالث: ينظرون ببعض العين، قاله أبو عبيدة، والرابع: أنهم ينظرون إلى النار بقلوبهم؛ لأنهم قد حشروا عميا فلم يروها بأعينهم، حكاه الفراء والزجاج. ) ) [2] . إن هذه الأقوال المتعددة للنص تدل على اختلاف في فهم النص، واختلاف في القراءات له، فكل قراءة مبنية على عوامل ثقافية متعددة تشكل شخصية المفسر العلمية وملكة التي تمكنه من تأويل كتاب الله تعالى بما يراه متفقا وطبيعة اللغة العربية وأساليب استعمالها، وليس يخفى هنا أثر السياق - بمعناه العام - في توجيه المعنى نحو كل من هذه الأقوال.

يرى الطبري أن أصح الأقوال (( القول الذي ذكرناه عن ابن عباس ومجاهد، وهو أن معناه: أنهم ينظرون إلى النار من طرف ذليل، وصفه الله جل ثناؤه بالخفاء للذلة التي قد ركبتهم، حتى كادت أعينهم أن تغور، فتذهب. ) ) [3] ، في حين يقول الزمخشريُّ: (( {ينظرون من طرف خفي} أي يبتدئ نظرهم من تحريك لأجفانهم ضعيفٍ خفيٍ بمُسَارَقَةٍ، كما ترى المصبُورَ ينظر إلى السيف. وهكذا نظر الناظر إلى المكاره: لا يقدر أن يفتح أجفانه عليها ويملأ عينيه منها، كما يفعل في نظره إلى المَحَابِّ. ) ) [4] ، ولقد ذهب أكثر المفسرين إلى هذا القول مع أنهم ذكروا الأقوال الأخرى في الآية الكريمة [5] . إن قول يونس الذي جعل فيه (من) بمعنى (الباء) يقتضي أن يكون النظر بالطرف، والطرف ليس هو آلة النظر، فالناظر ينظر بعينه، ولكنه يوجه نظره جهة طرف العين ليسترق النظر، أي ينظرُ خلسةً، والدافع للنظر خلسة مختلف من حالة إلى أخرى، فقد يكون الحياء، وقد يكون الخوف والرعب وعدم الجرأة كما هو في حال هؤلاء الظالمين، وأعتقد أنَّ إبقاء معنى (من) على دلالته المركزية أولى وأكثر حيوية في تصوير حالة استراق النظر بذلَّةٍ وخوفٍ عظيمتين إذ لا يجرؤ أحدٌ منهم أن ينظرَ بعينه كلها فيصرف نظره عن مشهد النار، لكن خوفه ورعبه منها يدفعانه إلى استراق النظر وهو في نظره هذا ذليلٌ، وهكذا هو حالهم يترددون بين صرف وجوههم عن العذاب قبل ملاقاته واستراق النظر إليه، هذا المشهد القرآني صورةٌ متحركةٌ تبعثُ على إثارةِ مشاعرٍ عظيمةٍ لدى المتلقي، ولاشك في أن استثارة المشاعر عند مستمع القرآن هدف ملحوظ من أهدافه الشريفة.

ومن المعاني التي جاءت بها (من) معنى الاستعلاء فجاءت على قول بعضهم مرادفة لـ (على) نحو قوله تعالى: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} (الأنبياء من الآية: 77) ، فذهب ابن قتيبة إلى أن المعنى (على القوم) [6] ، ونسب أيضًا إلى أبي عبيدة والأخفش [7] ، وقال البصريون إن معناه على التضمين فضُمِّنَ الفعل معنى فعل آخر وهو (منعناه) منهم بالنصر [8] ، إن تحميل الحرف (من) معنى الاستعلاء وجعله معنىً مضافًا إلى معناه الأصلي في هذه الآية الكريمة يزيد في دلالة النص، ففي الوقت الذي يتحقق فيه النصر لرسل الله تعالى يتحقق معه الاستعلاء

(1) - وردت هكذا والصحيح: (الأول:) .

(2) - زاد المسير 7\ 85.

(3) - جامع البيان: 25\ 55.

(4) - الكشاف: 3\ 474.

(5) - ظ: معاني القران (الفراء) :3\ 26، إعراب القرآن (النحاس) :3\ 70، التبيان:9\ 172، مفاتيح الغيب:27\ 604 - 607، الجامع لأحكام القرآن:16\ 45، البحر المحيط:9\ 348 - 352، البرهان:4\ 420، تفسير الثعالبي:5\ 167، فتح القدير:4\ 543.

(6) - ظ: تأويل مشكل القرآن:432، وينظر معه: جامع البيان:17\ 37، مجمع البيان:7\ 103، دراسات لأسلوب القرآن الكريم:3\ 421.

(7) - ظ: مجمع البيان:7\ 103، الجامع لأحكام القرآن:11\ 37، الجنى الداني: 318، فتح القدير:3\ 417.

(8) - ظ: التبيان:7\ 267، جوامع الجامع:2\ 532، زاد المسير:5\ 256، الجامع لأحكام القرآن:11\ 307، الجنى الداني:318، مغني اللبيب:424،البرهان:4\ 420، فتح القدير:3\ 417، نظرية الحروف العاملة:193، تناوب حروف الجر في لغة القرآن:120.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت