المفردة معنى هامشيا مضافا لمعناها الأصلي، قيل إنها تأتي بمعنى (عن) كقوله تعالى: {يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَاذَا} (الأنبياء من الآية:97) ، قال ابن الجوزيّ (ت 597 هـ) : (( ويقولون: {يا ويلنا قد كنا} أي: في الدنيا {في غفلة من هذا} أي: عن هذا ) ) [1] ، ولم أر من المفسرين غيره يصرح بأن (من) هنا بمعنى (عن) ، (( وقيل هي في هذه للابتداء، لتفيد أن ما بعد ذلك أشدُّ. ) ) [2] على هذا التأويل تكون غفلتهم عن أول العذاب وبدايته، وبذا تكون غفلتهم عن العذاب كله وإدراك كنهه وحقيقته مستبعدةٌ؛ لأنهم لم يكونوا يكترثون بالتفكر في نتائج معصيتهم وجحدهم لآيات الخالق العظيم تبارك اسمه. أما من فهم من النص معنى (عن) فيكون تأويل الكلام عنده: كنا في غفلة متجاوزين العذاب ومبتعدين عنه مشغولين بأمور الدنيا. إن للمفسر أن يفهم النص تبعا لما تتوافر أمامه من قرائن تعينه على التأويل، وكانت من سمات النص القرآني أنه حمال أوجه، وهذه المزيَّة من أوجه إعجازه، فالسياق هنا يمكن أن يُفهم منه مثل ذلك المعنى فيقدر معنىً هامشيٍّ لـ (من) مضافٍ إلى معناها المركزي الذي هو الابتداء ليكون المعنى إنا كنا في غفلة مبتعدين ومشغولين عن التفكير ببداية العذاب الذي سينالنا. فيكون النص بذلك قد أضاف شيئًا إلى معناه المركزي.
اختلف النحويون في معنى (من) في قولنا: (زيد أفضل من عمرو) ، فسيبويه كان يذهب إلى أنها لابتداء الغاية، ولا تخلو من معنى التبعيض، وكأنَّه يُحَمِّلُ (من) معنى مضافا إلى معناها المركزي فيقول: (( كذلك(هو أفضل من زيدٍٍ) إنما أراد أن يُفضِّله على بعضٍ ولا يُعمُّ، وجعل زيدًا الموضع الذي ارتفع منه، أو سَفَلَ منه في قولك: شرٌّ من زيد. )) [3] ، فكانت (من) هنا تفيد ابتداء الغاية المكانية، ومضافا إليها معنى التبعيض فالقائل لا يريد أن يفضله على عموم الناس بل يريد بعضهم. في حين كان المبرد يجعل معناها هنا ابتداء الغاية فقط [4] ، ونقل المراديُّ عن ابن عصفور أنه كان يرى هذا المذهب قائلا: (( والصحيح أن التبعيض ليس مفهوما من(أفعل من) ، وإنما فهم ذلك من جهة أنك إذا أدخلت (من) التي لابتداء الغاية على الموضع الذي ابتدأ منه التفضيل علم أنك لم ترد التعميم في التفضيل، وإنما أردت أن تذكر الموضع الذي ابتدأت منه التفضيل. )) [5] ، ونقل ابن هشام عن ابن مالك أنه يرى (من) هنا للمجاوزة (( وكأنه قيل:(جاوز زيد عمرًا في الفضل) ، قال وهو أولى من قول سيبويه وغيره: إنها لابتداء الارتفاع في نحو (أفضل منه) وابتداء الانحطاط في نحو (شرٌّ منه) إذ لا يقع بعدها إلى. )) [6] ، أمَّا ابن مالك فيَفهَمُ من السياق هنا أن (من) بمعنى (مَعَ) وهو المجاوزة، وأعتقد أنَّ المعنى يحتمل أن يكون معنى المجاوزة معنى هامشيا مضافا إلى المعنى المركزي، وليس معنى بديلا يحل محله. فهو حين يثبت له الفضل يكون مبتدئا به مبتعدا عنه إلى نقص الفضل فيمن سواه كلما ابتعد عنه.
قيل إن (من) تأتي مرادفة لمعنى (الباء) نحو قوله تعالى: {يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ} (الشورى من الآية:45) ، نقل الطبري عن يونس أنه قال: (( إن(من طرف) مثل بطرف، كما تقول العرب: ضربته في السيف، وضربته بالسيف. )) [7] . ويبدو أن العلماء لم يساندوا قول يونس مع أن كثيرا منهم نقله عنه، في حين ذُكرَ لهم في تأويل هذه الآية ثلاثة أقوال أخرى غير هذا
(1) - زاد المسير: 5\ 270، وينظر معه: دراسات لأسلوب القرآن الكريم: 3\ 420.
(2) - مغني اللبيب: 423.
(3) - الكتاب:4\ 225.
(4) - ظ: المقتضب: 1\ 44.
(5) - شرح التسهيل (المرادي) مخطوط: 2\ 16. [نقلا عن حقق الجنى الداني صفحة 317، هامش: 685] .
(6) - مغني اللبيب: 423.
(7) - جامع البيان: 25\ 55، وينظر معه: دراسات لأسلوب القرآن الكريم: 3\ 423 ..