فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 295

يصلح من المعاني لأكثر من الواحد نحو (مِنْ) فإنها تكون: تبعيضا وابتداءً، ولا تكون: نفيا ونهيا وتوكيدا، و (إن) فإنها تكون: شرطا ونفيا وتوكيدا. قيل: هذا إلزام يُسقطه تَأمُله، وذلك أن (من) و (لا) و (إن) ونحو ذلك لم يقتصر بها على معنى واحد؛ لأنها حروف وقعت مشتركة، كما وقعت الأسماء مشتركة، ... ، وقعت الأفعال مشتركة، ... ، فكذلك جاء نحو هذا في الحروف. )) [1] فـ (من) عند ابن جنيّ من المشترك في اللغة وضعت لأكثر من معنى وهي عنده لمعنيين رئيسين هما (ابتداء الغاية والتبعيض) ، وهذا ما صرح به عند حديثه عن (من) قائلًا: (( فمعنى(من) الابتداء كقولك: (سرت من البصرة إلى الكوفة) ، أي ابتدأت السير من البصرة، وتكون تبعيِّضا، كقولك أخذت من المال أي بعضه، وشربت من الماء أي بعضه، وتكون زائدة .. )) [2] ، وقال أبو البركات العلوي (ت 539 هـ) في شرحه: (( ويكون التبعيض كقولك:(أخذت من المال) أي بعضه، هذا مذهب سيبويه، قال أبو العباس المبرد: وليس هو عندي كما قال سيبويه؛ لأن قوله أخذت من ماله إنما جعل ماله ابتداء غاية ما أخذ، وكذلك أخذت منه درهما، وسمعت منه حديثا، أي هو أول الحديث، وأول مخرج الدرهم، ... ، فيكون عند أبي العباس لابتداء الغاية، ودلالتها على التبعيض عنده من حيث ما هي انتهاءٌ، وهذا مذهبه فاعرفه، وعند سيبويه إنها تكون للتبعيض في هذا مجردة عن [3] الابتداء. )) [4] . خلاصة هذا الكلام أن أمامنا مذهبين مذهب لسيبويه وابن جني يرى أن (من) من الكلمات المشتركة في لغة العرب، ولها معنيان رئيسان وضعت لكل منهما هما معنى (الابتداء) ومعنى (التبعيض) ، ومذهب آخر يلتزمه المبرد وكبار النحويين الآخرين، ويرجعون فيه معاني (من) المتعددة إلى معنى واحد أصيل هو معنى (ابتداء الغاية) ، وكل من القولين يمثل دليلا داعما لفرضية المعنى المركزي للحرف والمعاني السياقية أو الهامشية، ولكني في مجال التحقيق والتطبيق أميلُ إلى الأخذ برأي سيبويه وابن جني في أن للحرف معنيين مركزيين يمثل كل منهما معنى لصورة من صورتين لـ (من) ، إذ قد يكون في محاولة رَجْع المبرد معنى التبعيض إلى معنى الابتداء ليٌّ لعنق النص وتحميله فوق ما طاقته، وليست بنا حاجة إلى تأويلٍ يُخرِجُ اللغةَ عن بساطتها المتعارفةِ وسماتها المعهودة.

وهذا يقودنا إلى شيء مهم ذلك: أن الكلمات الكثيرة الاستعمال في اللغة يجب أن تكون واضحة المعنى ولا يكتنفها الغموض؛ لأن الغموض مع كثرة الاستعمال لابدَّ من أن يولد لبسا في المعنى، وهذا ما تبتعد اللغة عنه دوما، فكيف تسنى لـ (من) أن تؤدي عددا كبيرا من المعاني؟ في محاولة الجواب عن هذا السؤال يمكنني القول: إن كون هذا الحرف من المشترك اللفظي ساعده على توليد معان هامشية أكثر من غيره من الحروف فكلُّ أصلٍ من الأصلين يُكوِّن له عددا من المعاني الهامشية، التي تتلون تبعا لطبيعة استعمال المفردة داخل النص، وما يحيط بها من ظروف، والفاصلُ المُعينُ في تحديد المعنى الدقيق وطبيعته هو السياق، فهو يمثل صمام الأمان للمعنى، ولولاه لكان التشابه الموجود في أشكال الكلمات المشتركة يولد لبسا كبيرا بين مفردات اللغة، فالسياق يجعل الغموض الناتج عن الاشتراك اللفظي سطحيا، ولا يقف عائقا في عملية التخاطب اللغوي بين البشر [5] .

لقد أعاد ابن هشام كثيرا من المعاني التي ذكرها لـ (من) إلى معنى الابتداء معترضا على الإقرار بتلك المعاني ورافضا لها، وسأعرض لبعض هذه المعاني لنرى كيف حمل النص

(1) - الخصائص: 3\ 110 - 111.

(2) - اللمع في العربية: 149.

(3) - وردت هكذا، والصحيح: مجردة من. ظ: لسان العرب: مادة (جرد) : 3\ 115.

(4) - البيان في شرح اللمع لابن جني: 147 - 148.

(5) - ظ: دور الكلمة في اللغة: 141.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت