تسع مرات، وظننتم مرتين، وظننتُ ثلاث مرات) [1] ، لكنهم في هذه الاستعمالات كلها لم يستعملوا (أن) لا المخففة ولا المثقَّلة، ومن جميل استعمالاتهم قول خزيمة القضاعي (ت 34 ق. هـ) [2] :
(الوافر)
إِذا الجَوزاءُ أَردَفَتِ الثُرَيّا ... ظَنَنتُ بِآلِ فاطِمَةَ الظُنونا
ظَنَنتُ بِها وَظَنُّ المَرءٍ حوبٌ ... وَإِن أَوفى وَإِن سَكَنَ الحَجونا
من هنا أستطيع القول إننا لا نملك شاهدا يثبت لنا استعمال (أن) التوكيدية مع الفعل (ظنَّ) عند الجاهليين، وقد يكون هذا الاستعمال عرف بعد نزول القرآن الكريم الذي استعمله بوضوح، فنجد من أصحاب المعلقات المخضرمين لبيد يقول في بيت له [3] :
(الطويل)
إِذا المَرءُ أَسرى لَيلَةً ظَنَّ أَنَّهُ ... قَضى عَمَلًا وَالمَرءُ ما عاشَ عامِلُ
يريد أن المرء إذا سهر ليله في قضاء عمل ما ظنَّ أنه قد فرغ منه، فظنَّ هنا تدلُّ على اليقين، وهذا الاستعمال موافق لما قاله الزركشيُّ آنفا، واستعمل مخضرمون آخرون أمثال الأعشى (ت 7 هـ) وحُميد بن ثور الهلالي (ت 30 هـ) وحسَّان (ت 54 هـ) هذا الفعل مع (أنَّ) المثقلة و (أن) المخففة [4] . وأحسَبُ أن هؤلاء تأثروا الاستعمال القرآني واحتذوا سبيله. مما تقدم يمكن أن نظيف معنىً هامشيا إلى (أن) المخففة من الثقيلة ابتدعه القرآن الكريم، ولم أر من يستعمله قبله، وإن كنت أتحفظ في قبوله على سعته، وأرى أنه ليس مطردا تماما، فالسياق له الأثر الأكبر فيه.
قالوا إنَّ (أنْ) قد تكون تفسيرية بمعنى (أيْ) ، وهذا النوع مختلف في أصل وجوده وعدمه، فالكوفيون ينكرون (أنْ) التفسيرية البتَّة، ويرى ابن هشام أن إنكارها متجه [5] ؛ لأن من يثبتها يشترط أن تكون بين جملتين، والجملة الثانية وهي المُفسِّرة يجب أن تكون عين الأولى، وإذا قلنا: (كتبت إليه أن قُمْ) لم تكن (قم) نفس (كتبت) ، كما هو الحال في قولنا (هذا عسجدٌ أي ذهبٌ) ، فالأول عين الثاني، ومن هنا لو افترضنا أنا نضع (أي) بدل (أنْ) في الجملة الأولى لم يستقم الكلام [6] . ومع هذا فقد اشترط القائلون بها لتحققها شروطا: أولها أن تسبقها جملة تامة فيها معنى القول دون حروفه، وأن تتأخر عنها جملة، وأن لا يدخل عليها جارٌّ [7] .
ولقد ذكر الأربليُّ أمرا قد يحلُّ ما أشكل على ابن هشام في هذا النوع، وهو أن المتأمل لأمثلة هذا النوع يجد أنَّ المُفسَّر ليس الجملة المتقدمة على (أنْ) ، وإنما هو مفعول محذوف، يقدَّر بحسب الكلام، وما اشتراط تَقدُّم الجملة التامة إلاَّ ليتسنى تقدير المفعول المُفسَّر بـ (أنْ) ، لا
(1) - يمكن متابعة هذا البحث والإطلاع على نتائجه بالرجوع إلى برنامج (الموسوعة الشعرية - الإصدار الثالث) .
(2) - للإطلاع على حياة الشاعر وأخباره وأشعار يمكن الرجوع إلى برنامج (الموسوعة الشعرية - الإصدار الثالث) .
(3) - شرح ديوان لبيد: 254.
(4) - ظ: ديوان الأعشى الكبير: 121، ديوان حميد بن ثور الهلالي: 88، شرح ديوان حسان بن ثابت: 328.
(5) - ظ: مغني اللبيب: 47، جواهر الأدب: 109.
(6) - ظ: مغني اللبيب: 47 - 48.
(7) - ظ: شرح المفصل: 8\ 142، شرح الرضي على الكافية: 4\ 437،شرح ألفية ابن مالك:262، البرهان: 4\ 225، مغني اللبيب: 48، جواهر الأدب: 110.