ذلك قوله تعالى: {وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ} (التوبة: من الآية 118) ، هنا جاء الفعل (ظنوا) وقد وليته (أنْ) المخففة، وهو دالٌ على اليقين، أي علموا وتيقنوا، وقد صرَّح بذلك الزمخشريُّ [1] ، وقال الفخر الرازي: (( {وظنوا} أي علموا كما في قوله: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ} (البقرة: من الآية 46) ، والدليل عليه أنه تعالى ذكر هذا الوصف في حقهم في معرض المدح والثناء، ولا يكون كذلك إلا وكانوا عالمين بأنه لا ملجأ من الله إلا إليه. )) [2] ، ففي الوقت الذي يتطابق فيه الضابط الأول - وهو ذكر المدح والثناء مع الدال على اليقين - إنه يناقض الضابط الثاني، فليس كل (ظن) تليه المخففة يدلّ على الشك. وكذلك كان معنى آيتي سورة الجن المذكورتين آنفا، معناهما دالٌّ على الاعتقاد القطعي، وليس دالا على الشك والرجحان، قال أبو حيان في تفسير الآية السابعة من سورة الجن: (( {وأنا ظننا} الآية: أي كنا حسني الظن بالإنس والجن، واعتقدنا أن أحدًا لا يجتريء على أن يكذب على الله فينسب إليه الصاحبة والولد، فاعتقدنا صحة ما أغوانا به إبليس ومردته حتى سمعنا القرآن فتبينا كذبهم. ) ) [3] ، وأما الآية الثانية عشرة من سورة الفتح التي ذكرها الزركشيّ آنفا مستدلا بها على قاعدته، فلا يسلم له الاحتجاج بها؛ لأن معناها لا يدلّ على الشك والرجحان، بل كان يدلّ على القطع في الاعتقاد، ذلك أنهم كانوا جازمين بعدم عودة الرسول ومن معه، قال الرازي في تفسير هذه الآية: (( يعني لم يكن تخلفكم لما ذكرتم {بل ظننتم أن لن ينقلب} وأن مخففة من الثقيلة، أي ظننتم أولًا، فزين الشيطان ظنكم عندكم حتى قطعتم به، وذلك لأن الشبهة قد يزينها الشيطان، ويضم إليها مُخَايَلَة يقطع بها الغافل، وإن كان لا يشك فيها العاقل. ) ) [4] ، فالرازي صرَّح بأن (أنْ) هنا المخففة، وكذلك يقرر أن اعتقادهم كان قد وصل إلى مرحلة القطع والجزم. وليس بعد هذه النقول عن العلماء من مجال لقبول رأي الزركشيّ على إطلاقه، وأقلُّ ما يقال فيها أنها ليست مطردة.
وقد يكون الراغب الأصفهانيّ (ت 495 هـ) أدق منه فقد قرر من قبله أنَّ (( الظن اسم لما يحصل عن أمارة، ومتى قويت أدت إلى العلم، ومتى ضعفت جدا لم يتجاوز حد التوهم، ومتى قوى أو تَصوّرَ تصوّر القوي استعمل معه أن المشددة وأن المخففة منها. ومتى ضعف استعمل أنَّ وأن المختصة بالمعدومين من القول والفعل. ) ) [5] فالراغب يبعد المعنى عن اقتران الفعل بـ (أنْ) المخففة أو المثقلة، ويرجعه إلى نوع آخر من (أنْ) . وأعتقد أنَّ الأسلم القول: برجوع الأمر كله إلى السياق، وما يمليه من فهم المعنى تبعا للقرائن الداخلية والخارجية لكل آية.
تتبعت أشعار أصحاب المعلقات الجاهليين لأنظر كيفية استعمالهم للفعل (ظنَّ) فرأيتهم قليلي الاستعمال لهذا الفعل أصلا، فلم يستعمله إلاَّ عنترة مرَّة واحدة، إذ يقول [6] :
(الوافر)
ظَنَنتُم يا بَني شَيبانَ ظَنًّا ... فَأَخلَفَ ظَنَّكُم جَلدي وَصَبري
وواضح أنه لم يقرنه بـ (أن) المثقلة ولا المخففة. واستكمالا للبحث، وفي محاولة للإحاطة بجوانبه فقد تتبعت أشعار الجاهليين كلهم (536) شاعرا، فوجدتهم يستعملون هذا الفعل بتقلباته المختلفة (14) أربع عشرة مرَّة فقط، على مدى أكثر من عشرين ألف بيت (ظنَّ
(1) - الكشاف: 2\ 218.
(2) - مفاتيح الغيب: 16\ 164، وينظر معه: الجامع لأحكام القرآن:8\ 281.
(3) - البحر المحيط: 10\ 290 - 292.
(4) - مفاتيح الغيب: 28\.
(5) - مفردات غريب القرآن:317.
(6) - ديوان عنترة (فوزي عطوي) : 164.