كما استعملها القرآن الكريم، فلم تنتبه إلى أنها لا تدخل إلا على الأفعال الناسخة، فقاست خطأ لِجِدَّةِ عهدها بهذا الاستعمال. ومع هذا فالبيت إسلامي، ولا يناقض ما ادعيته من أن القرآن الكريم ابتدع معنى مركزيا جديدا في اللغة، هو استعمال (إن) مخففة من الثقيلة.
(إيْ) حرف جواب بمعنى (نعم) ، ولا تقع إلاَّ قبل القسم، واقترانها بالقسم يجعل معناها فيه مسحة التوكيد والإثبات. وتكون لتصديق مُخبرٍ، كقولهم: (قام زيدٌ) فيجاب بها: إيْ لعمرك، أو إعلامُ مُسْتَخبِرٍ، نحو قولهم: (أقام زيدٌ؟) فيجاب: إيْ والله، أو وَعدُ طالبٍ، كقول القائل: (أعطني دينارا) ، فيُجاب إيْ وربي. والفارق بينها وبين (نعم) أنَّ نعم تكون في القسم وغيره، و (إيْ) يشترط معها القسم [1] . ولا يقسم معها إلاَّ بأحد هذه الثلاثة: إيْ والله، و إيْ وربي، و إيْ لعمرك، ومنع الرضي أن يقسم بعدها بـ (لعمرك) [2] . وأشار الخليل إلى أنها تدخل على القسم كالصلة والافتتاح [3] .
يبدو أن (إيْ) هذه حرف نادر الاستعمال؛ فقد تتبعت أشعار أصحاب المعلقات السبع في دواوينهم فلم أجد منهم من يستعملها في شعره، وعندها رحت أبحث إلكترونيا في أشعار الشعراء الجاهليين كلهم المعروفين والمغمورين عسى أن أعثر على بيت واحدٍ استعمل فيه هذا الحرف، فلم أجدْ. وكان البحث قد شمل (563) خمسمئة وثلاثة وستين شاعرا، ومجموع أبيات هؤلاء (20034) عشرون ألف وأربعة وثلاثين بيتا شعريا، وبعد هذا بحثت في أشعار المخضرمين ومجموعهم (168) مئة وثمانية وستون شاعرا، ومجموع أبياتهم الشعرية (35128) خمس وثلاثون ألفا ومئة وثمانية وعشرون بيتا، ومع كل هذا الجهد، لم أعثر على بيت واحد تستعمل فيه (إيْ) ، وعندها تيقنت أن بإمكاني أن أزعم أن القرآن الكريم استعمل (إيْ) أوَّلَ مرَّة حرف جواب إن لم يكن في اللغة العربية عامَّة، ففي اللغة الأدبيَّة خاصَّة، ومع استعمال القرآن الكريم له، لم يحتذ أثره أحدٌ من الشعراء المخضرمين، وبقي هذا الحرف مما يختص به الاستعمال القرآني، قبلَ نزول القرآن وبُعَيْدَه؛ إذ لم يَردْ ضمن أكثر من خمسة وخمسين ألف بيت شعري شملها البحث [4] .
استعملت (إيْ) في القرآن بندرة، إذ وردت في القرآن الكريم مرَّة واحدة فقط، وهذا يجعل نسبة استعمال هذا الحرف إلى مجموع آيات القرآن (0.01%) أي واحدًا في كل عشرة ألاف آية قرآنية، وهي نسبة نادرة جدا، والآية التي وردت فيها (إيْ) هي قوله تعالى: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} (يونس:53) ، وقد اقترنت (إيْ) في هذه الآية بالقسم، قال الزجاج في تفسيرها: (( المعنى نعم وربي. ) ) [5] ، وقال الطوسيُّ: (( معنى {ويستنبؤنك} يستخبرونك، أي يطلبون النبأ الذي هو الخبر {أحق هو} يعني هذا الوعيد الذي ذكره الله في هذه الآية الأولى، فقال الله لنبيه {قل إيْ وربي} أيْ: نعم، وحقُّ الله
(1) - ظ: شرح المفصل: 8\ 124، رصف المباني:136، الجنى الداني:252، مغني اللبيب:105 - 106، جواهر الأدب:126، العين: 8\ 440، لسان العرب: مادة (أيا) : 14\ 61، حروف المعاني في معجم لسان العرب: 229.
(2) - ظ: شرح الرضي على الكافية: 4\ 430.
(3) - ظ: العين: 8\ 440.
(4) - يمكن الرجوع إلى برنامج الموسوعة الشعرية (الإصدار الثالث) لمتابعة البحث، والتأكد من النتائج.
(5) - معاني القرآن وإعرابه:3\ 25، وينظر معه: جامع البيان:11\ 85، معاني القرآن (النحاس) :3\ 299، مفاتيح الغيب:17\ 264.